أخبار هامةمقالات

“ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ” بقلم الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلاميّة

أولى خطوات المعرفة -أيًّا كانت- هي معرفة الأسماء، ومن الاسم تتقدّم لتتعرّف أكثر فأكثر عن المسمّى. هذا في العموم، ومن باب أولى أن يتعرّف العبد على أسماء الله جلّ في علاه، ففي أسمائه أسرار، وفي صفاته علم كامل متكامل، يعجز الإنسان مهما بلغ من علم بأن يُحيط بعلم أسماء الله وصفاته. أسماءه تعالى تتّصل بصورة مباشرة بصفات الجمال والجلال والكمال الإلهي، وهكذا في كلّ ما هو حسن وحقٌّ وجميل.

ومن أسمائه جلّ وعلا “القدير”، القدير على كلّ شيء، كلّ شيء، بكلّ ما تحمله هاتان الكلمتان من معانٍ. هذا ما يجب أن يتجذّر في نفوس المؤمنين صغارًا وكبارًا، فكلّ مؤمن يعلم أنّه إلى جانب ضعفه هناك ربٌّ قديرٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو القادر على كل شيء، قادر على أن يخلق من العدم، وعلى أن يحيى الموتى، وعلى أن ينصر المؤمنين ويهزم الكافرين، وهو القادر على أن يُبدّل الحال من حالٍ إلى حال، “إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”.

ومع عظم معاني الإيمان باسم الله القدير، هناك القاعدون الّذين لا يتعاملون مع الله إلا بهذا الاسم، فلا يتحرّكون نحو تغيير الواقع، ويتوقّعون أن تتدخّل القدرة الإلهيّة في كلّ موقف وفي كلّ حال، وعندما لا تتدخّل قدرة الله وفق مفهومه، يقف الواحد منهم حائرًا متسائلًا: لماذا لم يغيّر الله هذا الواقع؟! هؤلاء هم الّذين قد فهموا قدرة الله على غير ما أرادها الله، وإلّا فكيف يفسّر هؤلاء مفهومهم بعدم تدخّل قدرة الله مع أصحاب الأخدود وآل ياسر وأثر الحروب مع الفرنجة والمجازر الّتي تصيب أبناء شعبنا وأمّتنا المظلومين المقهورين؟ أم كيف يفسّر هؤلاء مفهومهم لعدم تدخّل القدرة الإلهيّة في وقف انتهاك المقدّسات، وعلى رأسها الاقتحامات اليوميّة للمسجد الأقصى المبارك، وهو بيت الله المقدس؟

إن هذه الحيرة إمّا أنّها نابعة عن جهل بمعاني القدرة الإلهيّة، أو عن تقصير بربط معاني أسماء الله الحسنى بعضها ببعض، فقد جاء في الحديث الصحيح: “إنّ لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلّا واحدًا، من أحصاها دخل الجنّة”، وإحصاؤها يعني معرفة معانيها بالمقام الأوّل، والعمل بمقتضاها. وأضرب مثلًا لمعاني القدرة الّتي لا تتوافق مع القعود والركون، ها هي مريم رضوان الله عليها في أقسى لحظات حياتها، يُطالبها الله القدير بأن تهزّ جذع النخلة لتساقط عليها رطبًا جنيًّا، فهل يظنّ عاقل بأنّها وهي على هذا الحال، قادرة على أن تهزّ جذع النخلة؟ لكنّ الله يضرب لنا مثلًا، بأنّنا مطالبون بأن نعمل بأقصى وأقسى قدراتنا، واثقون بأنّ قدرة الله ستتدخّل لصالح الحقّ والعدل في الوقت والمكان المناسبين.

وكما يقضي الله بقدرته، فإنّه يقضي أيضًا بحكمته وعلمه وصبره وعدله، فالله هو العدل الحكيم العليم الصبور، فأيّ قضاء من الله تعالى تجاه حدث ما، فإنّ أسماء الله جميعها تتفاعل مع الحدث، وليس فقط قدرته.

وإنّ حكمة الله مطلقة، وعلمه وسع كلّ شيء، فهو يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو الحكيم الخبير علّام الغيوب، فلا يتصوّر من أيّ بشري ضعيف أن يقرّر بعلمه المحدود الزمان والمكان لتدخّل قدرة الله، وأن يطلب من الله أن يتدخّل بقدرته وفق ما يراه هذا البشري الضعيف، فلا بدّ من التسليم بحكمة الله وعلمه، وكذلك التسليم ببقيّة أسمائه الحسنى وكمالها، وأن يسلّم أيضًا بضعفه وبشريّته، وبقوله تعالى “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا”. هذا موسى عليه السلام وهو من أولي العزم من الرسل، لم يستطع عند لقائه الخضر، مع كلّ ما أوتي من علم ونبوّة، أن يحيط بعلم الله وحكمته، ولم يفهم الأحداث حتّى كشفها الله له عن طريق الخضر عليه السلام، فحكم على ظاهر الأمور، حكم بعينه البشريّة على خرق السفينة وإقامة الجدار وقتل الصبي، وكلّها في الميزان البشري شرٌّ مطلق، وفي علم الله وقدره وقدرته خيرٌ مطلق.

نعم، أسماء الله جميعها لا ينفصل فيها اسم عن آخر، تتجلى جميعها في هذا الوجود لتحقّق مراد الله بأمر الله، ولا بدّ أن يذكر الإنسان بأنّ الله هو الرافع إن شاء ومتى شاء، وهو الخافض إن شاء ومتى شاء، وهو المعزّ إن شاء وكيفما شاء، وهو المذلّ إن شاء وكيفما شاء، وهو المقدّم إن شاء وأينما شاء، وهو المؤخّر إن شاء وأينما شاء، وهو النافع والضار، والمعطي والمانع، والعفو والمنتقم، بالزمان والمكان المناسبين لما هو خير للإنسانيّة والبشريّة، وهذه ليس بمفارقات وإنّما هي مكمّلات تكمل بعضها بعضًا، ولا يبقى لنا إلّا أن نسلّم بذلك.

لا بد ان نسلم لقضاء الله وقدره، وفهم ان الله سبحانه يسير هذه الدنيا من خلال سنة التدافع، فقد قال تعالى:{وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الارض} فما نظنه شرا قد يكون ضروري لعمارة هذه الارض وحفظ الدنيا والدين.

إلهي، إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ، ونترك الذكر أحيانًا فتنتكسُ

فاللهم إنّا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، أن لا يغيب عنّا ذكراك، ولا معاني أسمائك وصفاتك، فإنّ الجراح إلهي قد كثرت، ولا بَلسم لنا إلّا طيب ذكر أسمائك وصفاتك.

 

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى