مقالات

هل انتهت الهدنة مع كورونا؟ الشيخ رائد بدير- مدير دار الافتاء والبحوث الاسلامية 48

الشيخ رائد بدير- مدير دار الافتاء والبحوث الاسلامية 48
مؤسس قسم الشريعة الاسلامية في مواجهة الأوبئة -منظمة الصحة العالمية-كوبنهاجن-

نشرت مقالا بتاريخ 14/02/2021 اي قبل 6 اشهر تقريبا بعنوان ” هدنة مع كورونا”

(( https://nawazel.net/%d9%87%d8%af%d9%86%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d9%83%d9%88%d8%b1%d9%88%d9%86%d8%a7/))

ما الّذي يجري مع كورونا؟ بشكل مفاجئ وغير متوقع ارتفاع في عدد الإصابات، ويدور الحديث مرة أخرى عن العودة إلى بعض القيود، فما الذي يحصل؟ وعملا بقول الله عزوجل في القران الكريم ” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ” (43)” سورة النحل. عندما نقول: أهل الاختصاص، إنّما نقصد به الأطباء المتخصّصين في علم المناعة والفيروسات، ولا نقصد أيَّ شريحة أخرى، وعملا بقوله تعالى ” وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء: 36]، كان لا بدّ من فهم ما يجري، وعقد أكثر من جلسة مع علماء من الصف الأول، ممّن يشغلون وظائف عليا في وزارة الصّحة على المستوى المحليّ، وأيضا على المستوى العالميّ قبل كتابة هذه السّطور.

عندما تمَّ التّطعيم، والحصول على شهادة تطعيم، تمّ تدوين تاريخ تلقي الجرعتين، وتدوين انتهاء تاريخ مفعولية التّطعيم على شهادة التّطعيم.. على سبيل المثال: من تلقّى جرعة بتاريخ 1/01/2021، ثمَّ بعد 21 يوما تلقّى الجرعة الثّانية، وحصل على شهادة تطعيم.. كان التّاريخ المدوّن على انتهاء استعمال الشهادة مثلا:30/07/2021، ثمّ أظهرت الأبحاث أنّ مفعول التّطعيم ما زال قويا، فتمَّ تمديد تاريخ الشهادة حتى 31/012/2021.دققوا في شهادات التطعيم.

قبل ثلاثة أشهر، أو أقلّ تقريبا قلّت نسبة الإصابات، وربّما لم تكن وفيات إلا نادر جدا، ولم تصل الإصابات بأصحابها إلى درجة الخطورة، وفرح الجميع لهذه الأخبار السّارة، لكن في الأيام الأخيرة تغيّرت المعطيات للأسوأ، فما الّذي جرى ويجري؟

الّذي يجري هو أنّ “كورونا” كما وصفناه من أول يوم، فيروس ذكيّ، وخفيّ، وسريع، ومتغير، والتّطعيم هو الأداة الفعّالة ضدّ هذا الفيروس، لحماية المصاب من الوفاة، أو الوصول إلى درجة الخطورة نتيجة الإصابة. التّطعيم لا يمنع الإصابة، بل يخفّف، ويدفع شدّتها، ويحدُّ من انتشار الوباء. والذي حصل أنّ فيروس “كورنا” متغيّر بمعنى، لا يبقى على نمط واحد، فهو متحول إلى سُلالات آخرها كانت ” الدّلتا”، وستأتي سُلالات أخرى أيضا أشدّ فتكا من دلتا هذه. كان سؤال البحث عند أهل الإختصاص: هل سلالات كورنا المتغيرة أشدّ فتكا، وقوة من مفعول التطعيم؟ أم أنّ مفعول التّطعيم يقلّ مع مرور الزمن؟ الإجابة كانت حتى هذه اللّحظة، والنّتيجة العلمية إلى الآن.. أنّ مفعول قوة التّطعيم تقلّ مع مرور الزّمن، لذلك هنالك حاجة لجرعة ثالثة، وفعلا التّعليمات اليومَ هي بتلقي الجرعة الثّالثة لشريحة معيّنية، وربّما قريبا تعمّم على كل الشرائح.. إنها مسألة وقت.

لا أحد يعلم، ولا أحد يملك الإجابة متى نحصل على التّطعيم الثّابت الّذي لا تقلّ فاعليّته أمام كورونا، ولا أحد يعلم متى نجد الدّواء لكورونا.. لا أحد يعلم متى يرتفع هذا الوباء، ولا أحد يعلم قوة السلالات المتغيرة المتوقَعة الجديدة. البشرية تخوض تجرِبة مع وباء مجهول، وذكي، وسريع، ومتغير. ولا أخفيكم القول، أنني متابع لهذا الوباء في أدقّ تفاصيله، وأنّه ينبغي أن نعمل بمقولة الإمام أبي حنيفة- رحمه الله تعالى-:” إنّا لنستعدّ للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع، عرفنا الدّخول فيه، والخروج منه”. علينا أن نبادر إلى وضع خطط إستباقيّة إحتياطيّة؛ نعمل بها عند وقوع الأسوأ. علينا أن نفرض الأسوأ، وإذا لم يقع حمدنا الله تعالى، وإذا وقع كنّا مستعدين له.

وما توصّل إليه العلماء، أنّ مفعول التّطعيم يقلّ مع مرور الزّمن، ونحن سنفترض العكس أّنه سياتي متحوّر جديد، وسلالة جديدة من فيروس”كورونا” تضعف التّطعيم، ولا يكون التّطعيم قويا مقابلها.. بمعنى أنّنا سنُضيف عاملا جديدا على ما توصل إليه العلماء من أنّ التّطعيم سيضعف مع مرور الزمن.. ألا وهو أنّ الفيروس سيكون أقوى من التطعيم، أو أّننا سنفترض أنّه ستأتي سلالة جديدة، لا ينفع معها فايزر، وسنفترض أنّ “كورونا” يتعايش معنا، ونتعايش معه إلى أجل غير مسمى..

ربّما يكون لك وجهة نظر مختلفة، وربّما تعتقد أنّ كلّ موضوع كورونا ” مؤامرة”، أو ” وهم “، أو تعتقد أنّ الإعلام يبالغ في تصوير ” الوباء” لكن في نهاية الأمر من بيده صنع القرار من ذوي الشأن؟ أليست المؤسّسات هي صاحبة القرار؟ وليس الأفراد.. فهي من تقوم بفتح المدارس وإغلقها-أقصد وزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم- ومن الّذي يغلق المطار ويفتحه؟ أليست الوزارة المتخصصة مع وزارة الصحة؟ والذي يغلق الملاعب والنوادي الرياضية، بالطّبع الوزارة المتخصصة مع وزارة الصحة، وهكذا دواليك. في نهاية المطاف الّذي يفرض القيود هي ” المؤسسات والحكومة”. يعني مثلا: وزارة التربية والتعليم تعمّم ” فاكس ” على جميع المدارس، وعلى المدن، والقرى بإغلاق المدارس مدة أُسبوعين، لا يستطيع مدير مدرسة واحد فتح مدرسته، ولو أنّ الأهل والطّلاب جميعهم مجمعون على فتحها.. فإفهم الفارق بين وجهة نظرك، ووجهة نظر صانع القرار.

والمفروض أن نفكر كيف نعمل مقابل صانع القرار، وكيف نأتي بمبادرات من تجرِبتنا.. أيّ مبادرة مدنية تقلّل من الإصابات، وتمنع الإنتشار، فإنّ المؤسّسات الرسمية لا تعارضها، بل تشجعها، وتمتدحها، وربما تستفيد منها كنموذج للمحاكاة.. ولقد كان لنا تجربة مع المساجد، والتي ثبت بالأرقام أنّها لم تكن بؤرة انتشار للوباء، تم إغلاقها، ثم العودة تدريجيا إلى فتحها وفق ” المسلك الآمن” ، ومهما ازداد الوباء سوءا وقوّة، فإنّنا لن نغلق المساجد لأنّنا عرفنا الطّريق الآمن. (لبس الكمّامة، تباعد مترين، سجّادة، تعقيم، الرخصة للمحجور والشّريحة الضّعيفة في عدم القدوم الى صلاة الجمعة والجماعة، …الخ).

سنضع خطّة عمليّة تكون جاهزة على الطّاولة في حال وقع الأسوأ لسائر حياتنا اليومية.. سنبدأ بالمدارس، وخاصّة الابتدائيّة.. لن نرفع الرّاية أمام “كورونا”، وسنستسلم للتّعلم عن بعد ” الزوم وغيره”.. التّعلم عن بعد فيما يخص الصّفوف الابتدائيّة، وخاصّة جيل الأساس من الأوّل حتى الثّالث، فإنّه مفيد لشريحة من التلاميذ، وكارثة على الأغلبية. سنقترح خطّة قابلة للتّطبيق، وخاصّة للصّفوف الابتدائيّة.. نراقبها.

لن نسمح لكرونا أن يفرض علينا الجهل لأجيال متلاحقة، فيسبب آثاراً خطيرة على الأفراد والأمم معاً.

التجربة كافية مع “كورونا” ومهما بلغت قوّته، وسرعته، وذكائه، ومهما كان خفيّا سنحتاط ببرامج، وخطط -على الأقل في أساسيات إحتياجاتنا الضرورية-. سنقترح، ونضع خططا لكلّ الحياة المعيشيّة…وهذا يحتاج إلى تعاون، ومسؤوليّة كل مواطن ومواطنة.


الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى