أخبار هامةمقالات

نهج الموحدة: هو النهج الاستراتيجي العميق| بقلم: عبد الكريم عزام

يعلم جيدا كل طالب درس المدنيات في الصف التاسع أن اسرائيل تُعرّف نفسها كدولة يهودية وديمقراطية، وتنعكس يهوديتها في رموزها العديدة، مثل : العلم الذي يفرض القانون رفعه على المؤسسات الرسمية بما في ذلك بلدياتنا، الشعار المرسوم على بطاقات الهوية وجوازات السفر، النشيد الوطني، العملة التي نتداولها جميعنا، اسمها، مناسباتها وأعيادها الرسمية، لغتها، وغير ذلك من الرموز.

حتى أن القانون الاساس في الدولة يحدد أن من أهم شروط دخول المعترك البرلماني الإقرار بيهودية وديمقراطية الدولة. وكل حزب يرفض الاعتراف بيهودية الدولة يُمنع من المشاركة في انتخابات الكنيست! ومحاضر جلسات محاكمات الاحزاب التي كان يتم شطبها وتتوجه لمحكمة العدل العليا متاحة للجمهور ويظهر فيها جليًا كيف كانت تلك الاحزاب تنافح في اثبات انها لا تعارض يهودية الدولة!

حتى أن الاحزاب التي تتحدث عن مشروع “دولة لجميع مواطنيها” تخادع الجمهور في هكذا مصطلحات لانها رغم رفعها هذا الشعار تعلم جيدا عدم واقعية هذا الطرح على الاقل في العقود القريبة لان هذا الطرح يعني عمليا تبديل بنية هذه الدولة كلها. وتغيير البنية له اساليبه التي لا يظهر ان هذه الاحزاب من داخل الكنيست تمتلكها، بل على العكس تمامًا من ذلك.

إن تغيير بنية الدولة يقوم على مخاطبة الاغلبية اليهودية ووضع تناقضات هذه الدولة وتعريفها لذاتها على المحك أمام الاغلبية وليس بخطاب الاقلية وهو ما تقوم به الموحدة عمليًا.

وما صرح به منصور عباس خاصة القسم الاول من تصريحه : “إسرائيل وُلدت كيهودية”، هو مكاشفة وتوصيف صريح لحالة واقعية علينا نحن العرب فهمها.

أما القسم الثاني لتصريحه “وستبقى يهودية” فهي مقولة موجهة للاغلبية اليهودية في هذه الدولة التي تُصر ان تُغلب يهودية الدولة على أي تعريف آخر : “انتم الاغلبية تصرون على يهودية الدولة وانا اريد ممارسة دوري كغير يهودي ضمن الحيز الضيق الديمقراطي، عمليًا بهكذا تصريح انتقل الجدال منا نحن العرب في هذه الدولة اليكم انتم اليهود بحيث عليكم انتم التعامل مع هذه التناقضات وحسم طبيعة يهوديتكم وديمقراطيتكم”.

“الطابة في ملعبكم انتم اليهود!وطبعا نحن العرب لسنا لاعبًا خاملًا في هذه العادلة إنما لاعبا اساسيا حكيما وواقعيا سترونه كل يوم في كل مكان”!

وهذا النهج ليس جديدًا خاصة في سلوك التيارات الاسلامية فتركيا اوردوغان واجهت تناقضات مشابهة من حيث المواجهة بين العلمانية والتيار الاسلامي الذي يمثله اوردوغان الذي فهم تمامًا ان الواقع التركي منذ عقود يقوم على مركزية الاتاتوركية وما تمثله من علمانية فبدلًا من مواجهة متكررة فاشلة كما كان مع تجربة اربكان وقبله مندريس والتورسي تبنى اوردوغان النهج الذي لا يتصادم مع مركزية الاتاتوركية والعلمانية انما يعزز مكانة الفرد ويصنع منه مشروعا للتغيير وإعادة ترتيب مركزية الرموز من خلال حق المشاركة والتاثير والواقعية بعيدا عن التصريحات التي قد تضع العراقيل قبل شرف المحاولة.

فاردوغان لم يصرح يوما انه معاد للاتاتوركية والعلمانية ولا رفع شعارات تخلق التوتر مع الاغلبية أو مع معطيات الواقع الإقليمية، ولا اعلن يوما تبنيه لشعار “الاسلام هو الحل” ولا قام بخطوات بناء دولة “الشريعة”.

أوردوغان لم يتصادم مع الواقع انما اندمج معه وفرض من خلال ذلك مسيرة تغيير في مركزها الفرد بعيدًا عن الشعارات الشعبوية

طبعا هذه المقارنة لا تعني ان تجربتنا في الداخل الفلسطيني تتطابق مع التجربة التركية لكنها تضع أمام العقل -خاصة الاسلامي- تساولات عليه التفكير بها خاصة مسالة تقييم التجارب الاسلامية السابقة والحالية وفق النتائج والاستراتيجيات وليس وفق محطات محددة.

والقدرة على التفكير الاستراتيجي ستساعد العقل الاسلامي في تقييم السياسات بشكل اعمق واكثر إنصافا.

وكذلك تضع أمام العقل الاسلامي القدرة على فهم وتقييم اسباب فشل العديد من التجارب الاسلامية التي بنت من حولها قداسة وهمية حرمت العقول الحرة من تقييمها وفهم اخفاقاتها. ولنا في التجربة المصرية والسورية شاهد على ذلك.

الأستاذ عبد الكريم عزام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى