مقالات

نحو نقاشٍ موضوعيٍّ محترم بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس رئيس الحركة الإسلاميَّة

ما يزال الجدل قائماً في مجتمعنا العربيِّ ، بل في السَّاحة الإسرائيليَّة والسِّياسيَّة ، حول توجُّهات القائمة المشتركة عموماً ، وبضمنها القائمة العربيَّة الموحَّدة ورئيسها د. منصور عبَّاس . وبالطَّبع فإنَّ هذا الموضوع كان أبرز ما شغل وسائل الإعلام في الدَّاخل منذ ما يربو على شهرٍ تقريباً .
▪️وسائل الإعلام في الغالب ، تجتهد في أن تسأل الأسئلة الصَّعبة ، المُربكة ، الَّتي تُستخلص منها عناوين مثيرة ، والأفضل لديها ، حين تسجِّل سبقاً صحفيَّاً . وفي كثيرٍ من الأحيان يقوم بعض الصَّحافيِّين بصياغة عنوانٍ مثيرٍ ، ليس بالضَّرورة يمثِّل لُبَّ الحديث ، بل بعض هوامشه ، غير الأساسيَّةِ.
▪️الفضاء العالميُّ المفتوح ، يجعل الكلام والهمس (بل والسُّكوت أحياناً ) ، مسموعين عبر عالمٍ لا حدود له . فيقع الحديث على مسامعٍ تحبُّه وأخرى تعاديه ، وعلى قناعاتٍ توافقه ، وجهاتٍ تحاربه . ممَّا يستدعي المتكلِّم أحياناً للحديث بلغةٍ حمَّالة أوجه ، لتختلف التَّأويلات ، وليشدَّها كلُّ طرفٍ حيث يرغب . فمن يوافقك يأخذها على المحمل الأحسن ، ومن يخالفك يأخذها على إساءة الظَّنِّ ، وأسوأ المحامل . ورضى جميع النَّاس غايةٌ لا تُدرَك .
▪️وعندما تتابع حديثاً في السِّياسة ، فعليك أن تنتبه لخلفيَّة المتحدِّث ، والمعقِّب على حديثه ، مؤيِّداً أو معارضاً . فمن نصَّب نفسه خصماً على طول الخطِّ ، فلن يرى منك إحساناً ولا توفيقاً ، ولن ينصفك يوماً من الأيَّام .
▪️أمَّا الشُّركاء ، فينبغي أن يكون نقاشهم موضوعيَّاً ، لا تصيُّداً لهفواتٍ ، ولا غيرةً من تميُّزٍ ، ولا تحميلاً للنُّصوص غير ما تحتمل ، ولا تقويلاً لما لم يُقَل . الشُّركاء يتحاورون ، يتناقشون ، يتصارحون ، يخوضون في عمق القضايا ، ثمَّ يخرجون بخلاصاتٍ لما اتَّفقوا عليه . أمَّا المُختلف عليه ، فيتَّفقون على طريقة معالجته والتَّعامُل معه ، وتأجيل البتِّ فيه حتَّى تُستَوفى مناقشته .
▪️المواقف الرَّسميَّة للقائمة الموحَّدة ، على لسان رئيسها ونوَّابها ، تقول : نقاشنا حول منهجيَّة التَّعامل مع الأطراف المختلفة في السَّاحة السِّياسيَّة الإسرائيليَّة . ولا مانع لدينا من إجراء نقاشٍ مفتوحٍ وموضوعيٍّ في المسألة ، دون الحديث عن تفكيك القائمة المشتركة ، ودون تخوينٍ أو تكفيرٍ أو تبخيس .
▪️ولذلك ، فإنَّ البعض يخطئ عندما يغلق باب النِّقاش من خلال الهجوم الأرعن ، والإتِّهامات الصَّريحة والمبطَّنة .
▪️والبعض الآخر يخطئ أيضاً عندما يتعجَّل فيستخلص نتيجةً لم يتلفَّظ بها أحد ، وكأنَّ فلاناً يسعى لتفكيك المشتركة ، أو اختار المنبر الفلاني للإعلان عن انشقاقه عن المشتركة ، وأنَّها على شفا التَّفكُّك أو الإنشقاق . يبدو أنَّ هذا هروبٌ من النِّقاش الموضوعيِّ المستحقِّ .
▪️الواقع السِّياسيُّ في بلادنا معقَّدٌ جدَّاً ، وهو كذلك معقَّدٌ في منطقتنا العربيَّة بأسرها . البعض لا يريد أن يرى لك أيَّ دورٍ يُذكر ، وعندما تكون جامداً لا تتحرَّك فقد لا ينتقدك أو لا يفتقدك أحدٌ . فإنَّ تحرَّكت يميناً أغضبت أهل اليسار ، وإن تحرَّكت يساراً أغضبت أدعياء اليمين . إن تقدَّمت أثرتَ الحاسدين ، وإن تأخَّرتَ أيقظت الشَّامتين . ولكن إن اجتمعوا عليك جميعاً ، فلعلَّ وجودك ، وحراكك وصوتك وصورتك تقضُّ مضاجعهم جميعاً . وقد تقع بين خيارين : إمَّا الجمود إرضاءً وإسكاتاً للنَّاقدين والنَّاقمين ، وإمَّا أن تتحرَّك وتؤثِّر ، ثمَّ تتعامل مع كلِّ من يتأثَّر من مواقفك إيجاباً وسلباً .
▪️البعض يريد إبقاء العرب في جيب اليسار الإسرائيليِّ الَّذي يكاد أن يحتضر . فإن كفر اليسار نكفر معه ، وإن مات نموت معه ، وإن تنكَّر لنا أو دعم حرباً ضدَّ شعبنا ، نضرب أخماساً بأسداس . ولذلك ، فإنَّه يرى في الخروج عن هذا النِّطاق الضَّيِّق كأنَّه الإنتحار السِّياسيُّ . تماماً كما يظنُّ الجنين في بطن أمِّه أنَّه إن فارق ذلك المكان الضَّيِّق فإنَّه حتماً سيموت . والأمر ليس كذلك ، بل هو الخروج من الضِّيق إلى السَّعة ، ومن الخيار الواحد إلى الخيارات المتعدِّدة ، دون التَّنازل عن شيءٍ من ثوابتنا الدِّينيَّة أو الوطنيَّة .
▪️البعض الآخر يرفض الخيارات كلَّها ، ولا يطرح أيَّ بديلٍ يُذكر . الجميع يسمع منه ما الَّذي لا يريده ، ولا أحد يسمع منه ما الَّذي يريده . يعترض على أفعال الآخرين ، ولا يرى أحدٌ منه فعلاً . فماذا عسى شعبنا أن يستفيد من هذه المواقف الرَّماديَّة العقيمة ؟ .
▪️البعض تحدَّث مراراً عن يسارٍ جديدٍ ، أو عن شراكة يهوديَّةٍ عربيَّةٍ ، ومع ما في ذلك من تحدِّياتٍ ومخاطر مباشرةٍ للقائمة المشتركة ، إلَّا أنَّ ذلك لم ينل حقَّه من النِّقاش . وبالمقابل ، فإنَّ الَّذي يقول صباحاً ومساءً أنَّه يناقش المسار والخطاب السِّياسيَّ ، ولا يتنازل عن المشتركة ، تنهال عليه سهام وحراب أقرانه ، ويُلبسونه ما لم يلبس ، وينسبون إليه كلَّ مثالب الدُّنيا .
▪️وختاماً :
نحن في الحركة الإسلاميَّة ، بعثنا بمندوبينا منذ ربع قرنٍ للمعترك السِّياسيِّ ، بدءاً من النَّائب الجسور المقدام عبد المالك دهامشة حفظه الله ، مروراً بمن لحقوا به من نوَّابنا إلى يومنا هذا ، لم نكبِّل أيديهم ، ولم نكمِّم أفواههم ، بل تركنا لهم الإجتهاد ضمن ما يتيحه شرعنا الحنيف ، وثوابتنا الوطنيَّة والقانون المعمول به في البلاد . وما لم يكسر أحدهم هذه الأُطر الثَّلاثة أو أحدها ، فإنَّ اجتهاداتهم مشروعةٌ ، قابلةٌ للتَّقييم والتَّقويم . فإن نجحوا في اختراق أسوار سجن السِّياسات الإسرائيليَّة ، وحواجز العنصريَّة والتَّهميش فبها ونعمت ، وإن لم ينجحوا ، فحسبهم أنَّهم حاولوا ، ولربَّما أحدثوا شقَّاً أو صدعاً في ذاك الجدار أو تلكم الحواجز .
▪️حفظ الله شعبنا وأُمَّتنا من كيد الكائدين ، ومكر الماكرين ، وظلم الظَّالمين وإفساد المفسدين . والله نسأل أن يجمع كلمة شعبنا وأُمَّتنا جميعاً على الحقِّ والخير والرَّشاد .

” والله غالبٌ على أمره ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون ” .


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى