مقالات

لو خيَّروني بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس رئيس الحركة الإسلاميَّة

خيَّرَ الله نبيَّه الحبيب صلَّى الله عليه وسلَّم بين أن يكون ملكاً نبيَّاً ، أو عبداً نبيَّاً ، فاختار صلوات الله عليه وسلامه أن يكون عبداً نبيَّاً . وفي آخر أيَّام حياته خيَّره الله بين الخلود في الدُّنيا وبين الرَّفيق الأعلى والموت ، فاختار الرَّفيق الأعلى والموت . هذا هو اختيار أعلم الخلق بقيمة الدُّنيا مقارنةً بالآخرة ، سيدنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم .
▪️وإنِّي لأعجب كلَّ العجب من أُناسٍ يرتكبون جريمة القتل من أجل نزاعٍ على دنيا فانيةٍ . فيذهب القتيل إلى قبره ، والقاتل إلى سجنه ، أو إن أفلت من السِّجن ، فلن يفلت من قبضة الدَّيَّان ، جلَّ جلاله . فوعيد الله للقاتل العمد لا يدع مجالاً للشَّكِّ أو اللَّبس : “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)” . والعاقل لو خُيِّر بين أن يعيش مظلوماً ، أو أن يلقى ربَّه قاتلاً ، بعد أن شفى غليله من خصمه ، وأنفذ فيه غيظه ، فقتله ……… العاقل يختار أن يلقى ربَّه مظلوماً لا ظالماً ، صابراً محتسباً لا قاتلاً أو ناقماً .
▪️ولكنَّ الجرائم لا تقف عند حدِّ القتل ، وإن كان القتل أعلى سُلَّم الجريمة . فقد حرَّم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على المسلم دم أخيه المسلم وماله وعِرضَه . فقال عليه الصَّلاة والسَّلام : ” كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ دمه وماله وعِرضه ” . وأكثر ما يقع فيه النَّاس وهم يحسبونه هيِّناً وهو عند الله عظيم ، هو الوقوع في أعراض وسمعة وشرف بعضهم البعض . فترى أحدهم يغتاب وينمُّ ويفضح ويهزأ ويبخِّس غيره ، دون الشُّعور بأيِّ وخزة ضميرٍ . بل إنَّه يتفنَّن في محاولات النَّيل من أعراض النَّاس والسُّخرية والاستهزاء بهم ، بكلِّ نشوةٍ ورضىً عن نفسه . وما علم المسكين أنَّه يضحِّي بحسناته لمن يغتابهم ويسخر منهم ، فإن فنيت حسناته ، تراكمت عليه سيئاتهم حتَّى تلقيه في النَّار والعياد بالله .
▪️قد يتفلسف ذلك المسكين ، ويجد لنفسه المبرِّرات لغيبة فلان ، والسُّخرية من علَّان ، والتَّطاول على زيدٍ أو تخوين عمرو ……. ولكنَّ الحبيب المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم يقطع علينا جميع الظُّنون بقوله عليه الصَّلاة والسَّلام : ” الغيبة ذكرك أخاك بما يكره . قيل يا رسول الله : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ . قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول ، فقد بهتَّه ” . وصدق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم .
▪️أحد أسباب التَّحاسُد بين النَّاس هو حبُّ الشُّهرة ، ثمَّ توجيه الحسد لأصحاب الشُّهرة . فلو أنَّه حفظ القرآن ، والصِّحاح جميعاً ، وقام اللَّيل كلَّ عمره ، وصام صيام داوود عليه السَّلام ، وتصدَّق بكلِّ ماله ، ثمَّ لم يحدِّث بذلك أحداً ، وما اشتهر فعله بين النَّاس ، لما حسده أحدٌ . لأنَّهم لا يحسدونه على ما يرفع درجاته عند الله تعالى ، بل يحسدونه على ما يمكن أن يبلغه من مكانةٍ في الدُّنيا . فإذا اشتهر فعله ذلك ، وذكره النَّاس بالخير ، هبَّ الحاسدون ينهشون لحمه ويدكُّون عظمه حسداً من عند أنفسهم . ولذلك فإنَّ المصيبة الكبرى منبعها في زماننا ، وسائل الإعلام وشبكات التَّواصل ، الَّتي تنشر وتُشهِر ، فتثير الفضول والحسد والغيرة وتوابعها الكثيرة .
▪️كتب أحدهم مقولةً أعجبتني :
إنَّنا نعيش في زمانٍ ؛
إن سمعوا عنك خيراً أخفوه ،
وإن سمعوا عنك شرَّاً أذاعوه ،
وإن لم يسمعوا عنك شيئاً اخترعوه .
ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله .
وختاماً :
▪️والله ، لو خُيِّرتُ بين أن أكون مشهوراً في كلِّ مكانٍ ، مذكوراً على كلِّ لسانٍ ، فينقسم النَّاسُ بين محبٍّ لي ومبغضٍ ……….وبين أن أكون تقيَّاً خفيَّاً ، لا يعلم ما بيني وبين ربِّي إلَّا هو ، ثمَّ لا ينشغل بي أحدٌ ، إن حضرتُ لم أُذكَر ، وإن غبتُ لم أُفقَد ……. والله ، لكان الخيار الآخر أحبَّ إليَّ من كلِّ دنيا النَّاس ، الَّتي يتنازعون ويتباغضون من أجلهاً .
▪️فتبَّاً لغيبةٍ تزرع العداوات .
▪️وتبَّاً لمناكفاتٍ توغر الصُّدور .
▪️وأنعم بأخلاق المتَّقين : ” الَّذين ينفقون في السَّرَّاء والضَّرَّاء ، والكاظمين الغيظ والعافين عن النَّاس ، والله يحبُّ المحسنين ” .
” والله غالبٌ على أمره ، ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون ” .


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى