أخبار هامةمقالات

*كلّ ذكرى، وقلوبنا تحجّ شوقًا إليك يا رسول الله* بقلم الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلامية

خير ما نبدأ فيه كلامنا عن رسول الله صلوات ربّي وسلامه عليه هو ما ذكره تعالى في حقّه: “وما أرسلناك إلّا رحمةً للعالمين”. وهذه جملة حصر، بحيث يحصر الله تعالى رسالة نبيّه بمعاني الرحمة، فما كانت ولا تكون وصاياه للبشريّة إلّا رحمة، وما كان فعله إلّا رحمة، وما كان حضوره إلّا رحمة، وما كان دعاؤه إلّا رحمة، وما كان مسيره إلّا رحمة، بأبي هو وأمّي.

وكذلك يوم ولادته، رحمة برحمة، فهذا جيش أبرهة الأشرم تتقدّمه الفيلة لتبثّ في القريشيّين الخوف والهلع. يشدّ أبرهة رحاله إلى مكّة ليهدم الكعبة المشرّفة ويزيد ظلمة الكون ظلامًا. يهرب الجميع إلى رؤوس الجبال ليحتموا بها، اتّباعًا لأوامر سيّدهم عبد المطّلب جدّ الرسول، الّذي قال: “للبيتِ ربٌّ يحميه”. هرب الجميع، وبقيت سيّدة في بيت مجاور للكعبة تقاسي آلام المخاض وحدها، لتملأ بمولودها الدنيا رحمة ونورًا، ويرسل الله ببركة هذه الرحمة طيورًا أبابيل تدحر بضعفها قوّة أبرهة وجيشه.

 

فماذا يعني هذا؟ ألا تكون هذه رسالة من عند الله بأنّ الفرج يجاور الكرب، وأنّ النور لا بدّ وأن يبدّد الظلام يومًا؟ ألا يعني هذا بأنّ الله من حسن تدبيره يُملي للظالمين ويمدّ لهم حتّى إذا حانت ساعتهم أتى أمر الله من حيث لم يحتسبوا؟ ما علينا إلّا أن نتّخذ التدابير، ونقوم بالواجب، ونوكل أمرنا إلى الله واثقين برحمته وعدله، ولكنّكم تستعجلون.

 

هذا جيش أبرهة يغزو دون علمٍ له بولادة خير البشر، يأتي بعدّته وعتاده، فيجعلها الله عصفًا مأكولًا على يد عصافير نحيلة ضعيفة قد لا تلقى بالًا ولا اهتمامًا، فسبحان الله!

 

والعبرة في هذا المشهد تتخّلص في مرحلتين:

الأولى؛ التخطيط المُحكم والدقيق لكفّ الظلم وصدّ المعتدي. تنام عيوننا وعين الله لا تنام.

والثانية؛ بثّ الأمل والبشرى بالخير القادم ولو كان في بداياته.

هكذا تكون نهضات الأمم الكبرى، تبدأ بالأمل والبشرى، ثمّ تصبح مشروعًا يجمع حوله أناسًا كثيرين، فتنجح الفكرة بالإيمان بها، وينعم في ظلالها الناس بالأمن والأمان والإيمان، ويخدمونها بشوقٍ وحماسة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “لَيبلغَنَّ هذا الأمْرُ ما بلَغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك اللهُ بيتَ مدَرٍ ولا وبَرٍ إلا أدخلَه اللهُ هذا الدِّين، بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل؛ عزًّا يعزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذلًّا يذلُّ الله به الكفرَ”.

 

ثمّ إنّنا نسأل: ما هي أعظم هديّة يمكننا أن نقدّمها اليوم في ذكرى مولد الحبيب؟ إنّها هديّة ذاتيّة، منّا وإلينا، فقد ضاقت علينا الدنيا، وأصابتنا شرورها وكرباتها، وسالت دماؤنا حتّى بتنا لا ندري كيف ننام وعلى ماذا نقوم. أكبر هديّة نقدّمها في هذا اليوم، هي أن نقصد صيدليّة الحبيب محمّد، فنستقي منه حلولًا لكلّ ما أصابنا، ولكلّ ما يصيبنا. لنجعل مولد رسولنا محطّة نصطلح فيها مع ديننا، مع شريعتنا، مع كتاب الله وسنّة رسوله. لنطلّق الحرام منذ اليوم، إلى غير رجعة. لنحافظ على أركان ديننا، لا سيّما الصلاة، ولنمتنع عن أكل الحقوق وظلم العباد، حيث لا نجاة منها ومن تبعاتها لا دنيا ولا آخرة.

 

يا قومنا، صلّوا عليه لتظفروا، بالبشرِ والعيشِ الهنيِّ الأرغدِ

إن شئت بعد الضلالة تهتدي، صلِّ على الهادي النبيّ محمّدِ

ويخصّكم ربُّ الأنام بفضله، والفوز بالجنّات يوم الموعدِ

صلّى عليه الله جلَّ جلاله، ما لاحَ في الآفاق نجم الفرقدِ

 

حيّ فينا ما حيينا يا رسول الله. ذكرى ميلادك فوّاحة!

 

الشيخ صفوت فريج

رئيس الحركة الاسلامية


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى