مقالات

كتب الأستاذ وليد الهواشله وداعًا يا أخي

من فضل الله عليّ أنّي أكتب عن سعيد؛ بعد أن رافقته سنين، وكنتُ مستشاره الملازم طيلة عامين، فعرفته في الحِلّ والترحال، في الترح والفرح، في الراحة والتعب، وكان في كلّ أحواله إنسانًا حامدًًا لله شاكرًا له. لم يرفع يديه قانطًا من رحمة الله قط، بل كان مؤمِنًا دائمًا أنّ الفرج قريب، وأنّ مع العسر يسرًا.

يصعب عليّ أن أكتب عن سعيدنا بلغة الماضي، هي ثلاثة أيّام مرّت، ثلاثة أيّام كأنّها الدهر كلّه، وقد صدق مَن قال:
(بعدتم عن العينين فازداد حبّكم، وغبتم وأنتم في الفؤاد حضورُ).

قرأت خلال هذه الأيّام الكثير ممّا كُتب عن سعيد، وأكثر ما لفت انتباهي كتابات من لم يعرفه ولم يقابله ولو مرّة واحدة، أولئك الّذين أحبّوه دون أن يلتقوه أو يروه. وهذا ليس بغريب عن سعيد، فملامحه المفعمة بالسكينة والرضا، تبثّ حبًّا ورحمة وطمأنينة، واستقامة تشعّ عزًّا وإباء؛ لا يسير إلّا مع الحقّ. صدق رسول الله حين قال: “إنّ الله إذا أحب عبدًا … ثُمَّ يُوضَع له القَبول في الأرض”.

لم يغترّ سعيد بالعناوين، ولم يبحث عن تصدّر الصحف ونشرات الأخبار، فقد كان همّه الأول النقب، ثمّ النقب وبعده النقب وفقط النقب، ولا أبالغ، فقد عاش همّ الناس في كلّ بقاع النقب، وكان أعرفَ الناس بأحوال أهله. جعل النقب قضيّته الأولى والأخيرة، وآمن بكلّ جوارحه أنّ قضايا مجتمعنا العربي لن تحلّ ما دام النقب على حاله، فالحلّ لكلّ قضايانا يبدأ من هذه الصحراء. النقب بالنسبة لسعيد عقيدة ونهج.

لم يسمح بتحييد النقب، ولم يسمح باختراق جدرانه، لا سياسياً ولا ثقافيًّا، لا بترابه ولا بعاداته وأعرافه، فقد كان سدًّا منيعًا لكلّ محاولات غزوه الثقافيّ، وتحييده عن مسار أصالته البدويّة العربيّة الأصيلة، وأعتقد أن كلّ من زار بيت العزاء رأى بأمّ عينيه أنّ سعيدًا كان يعمل على هذه القضيّة من رحم الألم.

أخي وحبيبي سعيد:
نسلّم أمرنا لله في غيابك، وإن كان الوقت باكرًا على رحيلك. أعترف أنّنا الآن في اختبار متواصل، كيف تُصاغ التوجّهات، وكيف يُخاطَب الطرف الآخر بحجّة وإقناع، دون خنوع ولا هوان.

في الأيّام الأخيرة عمل قلب سعيد بجهد مضاعف، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق إنجاز كبير للنقب وأهله، إنجاز لطالما عمل من أجله. فخفق قلبه مرتبكًا بين الترقّب والتخوّف والأمل، ثمّ خانه ليرحل ويغيب بهدوء، تمامًا مثلما عمل على قضايانا بهدوء، فصنع الإنجاز ولم يقطف الثمر.

غبتَ وقد حفرت في قلوبنا طيب ودّك ومحبّتك وتعاملك، فإلى جنّات الخلد يا حبيب قلوبنا، إلى الملتقى أيّها السّعيد.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى