مقالات

” عام نقيّمه ونقوّم الّذي يليه (١) ” بقلم الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلاميّة

عام نقيّمه ونقوّم الّذي يليه (١)

في أيِّ صناعة، يضع الصانع فيما يصنعه قوانين وضوابط. ولا تسير هذه الصناعة إلّا وفق ما يضبطه الصانع من معادلات، وإلّا صارت صناعات شاذّة لا تتوافق مع الطريق الّتي رسمها صانعها.

 

على سبيل المثال، من صنع السيّارة هو من يحدّد فيها نظام السرعة، والفرملة عند اللزوم، وكميّات الزاد المتمثّلة بالوقود، ثمّ تحتاج هذه السيّارة إلى عناية وخدمة وصيانة وفق ما وضعه صانعها كي تحافظ على الهدف المرجو من وجودها وصناعتها.

 

وينسحب هذا الحديث على ما صنعه الله، فحين خلق الإنسان وضع فيه فطرةً وأسسًا ومبادئًا ومقوّمات تضبطه ويسير وفقها، وحين يُخالف هذه الأسس يصبح شاذًّا عن المراد من صنعة الخالق عزّ وجلّ. وحتّى يعلم الإنسان إن كان يسير وفق ما أراده خالقه، أو أنّه قد شذّ عن الطريق، عليه أن يسأل بداية عن أصل وجوده في هذه الحياة: من أين، وإلى أين؟ ويرحم الله رابعة حينما سُئلت “من أين وإلى أين يا رابعة”، فقالت: “إنّا لله، وإنّا إليه راجعون”. خمس كلمات، من فقهها عرف الطريق.

 

قال رسول الله ﷺ: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه”. وهذا حديث صحيح. فإذا علمنا عمّا يسألنا عنه الصانع، أفلا تكون لنا محطّات نقيّم فيها أنفسنا، ونعلم إن كنّا سنجيب بما يرضي الله؟ أم نكون بإجاباتنا قد أرضينا من قال “لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم”؟

 

أهلي وأحبابي

 

ونحن على أعتاب نهاية عامٍ ميلاديٍّ آخر، لا بدّ لنا من جلسة محاسبة. لا يمكن أن نضع أهدافًا ونقوّم الطريق إن لم نقيّمها. وأساس تقييم الطريق هي بإجابتنا بصدق وصراحة عمّا سنُسأل عنه: عمرنا، علمنا، مالنا وجسمنا. وهذه جميعها أمانات وضعها الخالق في خلقه، ولا بدّ للأمانات أن تُصان.

 

وهذه رحمة من الله بعباده أن بيّن لهم المحاور الّتي سيُسألون عنها. بمعنى، أسئلة الامتحان معلومة، أفلا نتحضّر لها؟ لن تكون هناك مفاجآت، من تلعثم وأخطأ فإنّما من تقصيره في التحضير لهذه الأسئلة، وطوبى لمن انطلق لسانه وأفصح في الإجابة عنها بثقة واطمئنان.

 

ومن رحمة الله بعباده أيضًا أنّ تقييمنا للطريق من خلال هذه الأسئلة يحقّق فوزًا مضاعفًا، فوز يوم القيامة، وفوز الحياة الدنيا، حيث أنّ العمر والعلم والمال والجسد هي من مقوّمات النجاح سواءً على المستوى الفردي، وأيضًا على مستوى الجماعات. ومن يحسن إدارة حياته، وتخصيص علمه لما هو نافع، وإنفاق ماله في خير عائلته والناس، وصيانة صحّته وجسده والحفاظ عليه، يكون قد حصّل خيرًا وفيرًا في حياته الدنيا، كما ويكون عاملًا مساهمًا من عوامل نهضة مجتمعه وأمّته.

 

كذلك، بغضّ النظر عن الدين والإيمان والعقيدة الّتي يحملها أيٌّ كان منّا، مع تعدّدها واختلافاتها، لا يمكن أن تبني خططك للعام الجديد، إلّا وأنت آخذ بعين الاعتبار جيلك وقدراتك الذهنيّة والعلميّة والماليّة والصحّيّة. بمعنى، تقييمك ومحاسبتك ضروريّة من خلال الأسئلة الّتي ذكرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وليس فقط في سبيل فوز الآخرة.

 

لهذا، كان لا بدّ من محطّات محاسبة، كمثل الّتي نحن في صددها وعلى أبوابها هذه الأيّام، انقضاء عام وبداية آخر. لا بدّ من تقييم دقيق وعميق وموضوعي، يتبعه تقويم، فلا يخلو الأمر من أخطاء هنا وهناك، نقوّمها كي لا تتراكم وتصبح خطايا لا قيام منها. طبعًا، نأخذ بعين الاعتبار كافّة الظروف الزمنيّة والمكانيّة خلال عمليّات التقييم، ورسم الخطط للعام الجديد.

 

ولا نكتفي بنهاية عامٍ كي تكون لنا وقفة محاسبة وتقييم، فالكيّس الفطن يقيّم نفسه يوميًّا قبل أن يخلد إلى نومه. ونحسن صنعًا إن اعتبرنا محطّات العام المباركة محطّات تقييم ومحاسبة، كليالي الجمعة، وشهر رمضان، وليلة القدر، ويوم عرفة، والأعياد، وبداية ذي الحجّة وشوّال، وغيرها من الأوقات الفضيلة المباركة الّتي يُستحسن أن نجعلها محطّات تقييم، فنُعوّض فيها وفيما يتلوها من أيّام في تقصيرنا من الطاعات والقربات وصلة الأرحام والإنفاق على الأرامل والأيتام والمحتاجين.

 

كلّ عامٍ ونحن أقدر على التقييم وأقرب إلى التقويم. نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في أعمارنا وعلمنا ومالنا وصحّة أجسامنا، وأن نلقى الله وقد أدّينا حقّ الأمانة.

 

الشيخ صفوت فريج

رئيس الحركة الإسلاميّة


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى