أخبار هامةمقالات

” رحل سعيد الخرومي وما رحلت فضائله ” بقلم: الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الاسلامية

مرّ عام على فراق فارس النقب، أخي وصديقي سعيد الخرومي عليه رحمة الله، فارس في كلّ ما تحمله الكلمة من معانٍ، وأحد قيادات مجتمعنا العربي في الداخل الفلسطيني.

إن كنتُ سأصف سعيدًا بجملة واحدة، فإنّني أقول هو الّذي عاش بيننا دون ضجيج، وغادرنا بصمتٍ وسكون. رحيلٌ في منتصف الليل، رحيلٌ هادئ، رحيلٌ يليق بسعيد، فهو الّذي لا يُشعرك بعبءٍ ولا يُحمّلك همّه، حتّى في رحيله.

لا يمكنني أن أنسى محادثتي الأخيرة معه، قبل وفاته بساعات، ولعلّي لا أفاجئ أحدًا بفحوى ما دار بيننا، وهل كان يشغله إلّا النقب وقضاياه؟ كان النقب بالنسبة له مشروع تمكين لمجتمع كامل. كلُّ هدمٍ هناك كان يهدم قطعة من روحه، وكلّ توسيع كان يوسّع عليه مدار حياته، وعلى هذا عاش وعمل إلى أن استردّ الله منه الأمانة. وكأنّه خُلق خصّيصًا لهذه الرسالة، أدّاها بأمانة وإتقان، ثمّ رحل!

سألته عن مهمّته الجديدة حين استلم منصب رئيس لجنة الداخلية، فقال لي: “هذا المنصب فيه قوّة، أسأل الله أن يمكّنني من خلاله لخدمة الناس بصورة غير مسبوقة لا لي ولا لهم”. وحين سألته ونحن في طريقنا لزيارة أهل لنا في قرية السيّد عمّا هو أصعب، هل هو التخطيط والعمل للمدى البعيد والتقدّم للاعتراف بالقرى مسلوبة الاعتراف، أم المظاهرات والتباكي على الإهمال والتقصير والتمييز؟ فأجابني دون تردّد: “العمل الأصعب والأثقل هو التخطيط والعمل بالساعات والأيّام والشهور لمتابعة الملفّات العالقة في مؤسّسات الدولة المختلفة. الأصعب والأثقل أن تصرّ على التحصيل رغم المطبّات والعراقيل، وألّا تلين ولا تستكين حتّى تُحصّل لمجتمعك ما يليق به”. وأضاف على مسمعي رحمه الله: “نتعاطف مع من هُدم بيته، ونتألّم لألمه ونبكي لبكائه، ولكن دوري كقائد يحتّم عليّ ألّا أكتفي بالألم والبكاء. لا يمكنني أن أعود إلى بيتي وأهلي يبكون على أطلال الركام. عليّ أن أوصل ليلي بنهاري لأوفّر لهم الحلول ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. دوري أن أمنع بكاءً آخر، أو بأضعف الإيمان أن أكون سببًا في تقليص أعداد الباكين، حتّى ننجح في منعه كلّيًّا بعون الله”.

هذا هو سعيد. آمن بالعمل والتخطيط، ورفع راية الأزواج الشابّة في النقب، وراية القرى مسلوبة الاعتراف، وعمل على أن تبقى هذه الرايات مرفوعة حتّى يُكتب لها تغيير الواقع بأفضل واقع. وليس هذا فقط، بل عكف على مساعدة الأهل في النقب بكل مجالات الحياة، تربويًّا وتعليميًّا، صحّيًّا واقتصاديًّا، رياضيًّا وثقافيًّا، ولم يترك بابًا إلّا طرقه من أجل تحصيل ما يُعزّز صمود الأهل في النقب.

وأنا لا أذكر شعارات عن سعيد. كلّ من خالطه يشهد بأنّه تعامل مع كومة من الأخلاق، فقد كان متواضعًا في حياته إلى حدّ عجيب، وهذا ما كان يُلفت الانتباه ويحبّب الناس فيه، فيألفهم ويألفونه. كما كان –وهذا أيضًا بشهادة من عرفه- ليّن الجانب، طيّب المعشر، حسن الحديث، بعيد النظر ومحسن التدبير. عاش بين الناس وللناس، وبانَ دينه جليًّا في حسن خلقه، دون تكلّف ولا غرور، ودون استعلاء بالمنصب ولا بهرجة. عاش عزيزًا شامخًا، وكذلك مات.

ماذا أقول أيضًا عن سعيد؟ هل أحدّث عن التزامه وكونه جنديًّا مخلصًا في حركته الإسلاميّة، أم عن حنكته وبراعته السياسيّة؟ هل أحدّثكم عن أسره للقلوب، أم عن اهتمامه بأدقّ تفاصيل قضايا النقب، حتّى كنّا نعتبره موسوعة نقباويّة كاملة متكاملة؟

عن النبي ﷺ قال: “إنّ الله تعالى إذا أحبّ عبدًا دعا جبريل، فقال: إنّي أحبّ فلانًا فأحببه، فيحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إنّ الله يحبّ فلانًا فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض”. ويكفي أن أضيف على هذا الحديث حبّ الناس لسعيد، والشهادة له بالخير والخلق الحسن من القاصي والداني.

رحلتَ عنّا يا سعيد، وأطمئنك: أرض النقب ولّادة. ما زال النقب يُنجب رجالًا، وما زال رجال النقب على العهد بأرض الآباء والأجداد. النهج الّذي حملته يا أخانا، خلف من بعدك من يحمله ويمضي به قدمًا، وأظنّك على يقين بأنّ حركتنا الإسلاميّة الّتي فارقت الدنيا على مبادئها، ستبقى قلب النقب النابض، بقياداتها النقباويّة الحكيمة والراشدة، وبشبابها الأبطال المصرّين على التحدّي والإنجاز والتحصيل رغم كلّ الصعوبات.

وداعًا أيّها القائد، وداعًا يا ابن الصحراء، وداعًا يا من لا بدّل ولا غيّر، نسأل الله أن يثقّل بميزان حسناتك إلى يوم الدين. ونسأله تعالى أن يجمعنا وإيّاك على حوض الحبيب محمّد صلّى الله عليه وسلّم. إلى جنّات الخلد يا حبيب.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى