أخبار هامةمقالات

“المعارك السياسيّة كالعسكريّة، إمّا تدفع شرًّا أو تجلب خيرًا”بقلم : الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلاميّة

تتحدّد قيمة الإنسان بقيمة أهدافه، فحينما يعمل على قيم إنسانيّة عُليا فإنّه يسمو بهذه القيم، يسمو في ذاته ويسمو عند الله وبين ناسه وأهله ومجتمعه. وكذلك يكون انحطاط المرء بانحطاط أهدافه، فإن كانت دوافعه دونيّة منحطّة، كذلك تكون قيمته ومنزلته، بين الناس وعند الله تبارك في علاه.

وبين هؤلاء وهؤلاء، أولئك الّذين يقومون كلّ صباح دون غاية يُدركونها ومقصد يعملون على تحقيقه. يفقدون معاني الحياة فتزول مقاصدها من اعتباراتهم، فتراهم يتخبّطون لا يأبهون لأرواحهم ولا لأموالهم ولا لعقولهم ولا حتّى لحقّ أجسادهم، وليس عبثًا أن ينحدر هؤلاء في غيابات الفواحش والإدمان، ممّا يؤدّي إلى حالات انتحار، لا لشيء إلّا لأنّ الحياة فقدت معانيها بنظرهم، ولم يجدوا فيها ما يستحقّ أن يُعمل ويُنجَز. وعادة ما نجد هذه الحالات تشيع في بلاد يغيب عنها الدين، بلاد الكفر والانحلال.

لم يأت الدين إلى فراغ، فقد أتى ليدفع الباطل ويُحقّ الحقّ مكانه، وهذه سنّة التدافع الّتي جعلها الله سببًا في دفع الفساد عن الأرض. لوما أقوام يعملون على دفع الباطل وإحقاق الحقّ لفسد الكون بما فيه، وهذه سنّة الله في خلقه منذ أن أوجد آدم عليه السلام، فلقي إبليس له بالمرصاد، يدفع نحو الشرّ ويدفع آدم إلى الخير والمحبّة والسلام. يُطلق إبليس -وذويه من بعده- عبارات الحقد والاستعلاء والعنصريّة (أنا خير منه)، فيدفع آدم ورسله والصالحون الحقد بالتسامح والتصالح والدعوة إلى الخير والأمن والمحبّة والأمان.

وما تزال هذه المعركة بين الخير والشرّ تدور رحاها حتّى يومنا هذا، وستبقى ما بقيت الحياة، بأشكال مختلفة وبميادين متعدّدة، يجتهد جنود أهل الخير لأن يعمّ الخير على الناس كافّة، ويسهر جنود راية الشرّ على إشعال الفتن ووقود الحروب والدمار في كلّ بقعة تطالها أياديهم.

وهذه المعركة لا تخلو من مطبّات، فحين يسعى أهل الخير لنشر بذوره، فإنّ أهل الباطل يقعدون لهم ويكيدون لهم كيدًا، فيبدو أحيانًا وكأنّ أهل الخير قد تنازلوا عن مبدأ ما أو هدف معيّن، ولا يكون ذلك إلّا مرحليًّا، فإنّ الحرب والمكيدة تتطلّب أن تتعامل معها بأساليب الحرب والمكيدة. هذا رسول الله ينزل في بدر منزلًا، فيأتيه الحَبّاب بن المنذر ويقول له: يا رسول الله هذا المنزل أنزلكَ الله إيّاه فليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟! فقال له: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، هذا ليس بمنزل حرب! فامضِ بالناس حتى تبلغَ آبار بدر، فاجعلها خلفكَ، ثم نُقاتل القوم، فنشربُ ولا يشربون! فقال له: نِعْمَ الرأي!. هكذا يتقدّم أهل الخير ويتأخّرون وفق ما تقضيه مصلحة راية الخير.

والصراع لا يقتصر على معارك حربيّة بالسيف والطائرة والبندقيّة، بل أساسه صراع سياسيّ، وإن كانت المعارك هذه جميعها -سياسيّة أو حربيّة- تدور في فلك الأمن والاقتصاد، وهذا هو مقصد كلّ حرب، ومقصد كلّ تشاحن سياسي بين الأفكار والجماعات أو بين الدول والقوى العظمى. وهذا صراع تاريخي يلخّصه الله تعالى وتبارك في آية الأمن والغذاء “الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”. هل ترى دولة تُغير على أخرى إلّا من أجل تأمين سلامتها أو لتقوية اقتصادها؟ هل ترى قوّة سياسيّة يكون مبعث نشوئها غير تحصيل متطلّبات جماعاتهم من أمن وأمان وعمل واقتصاد؟

وليس هناك رابح مطلق في معركة الخير والشرّ، كما وليس هناك خاسر مطلق. على الأقلّ مرحليًّا، حيث نؤمن بأنّ النهاية تكون لصالح الخير. كلّ طرف ينال من الأرباح والخسائر ما ينال، وكلّ طرف يقدّم من التضحيات ما يقدّم، وكلّ طرف ملزم على الصبر والألم ما شاء للألم أن يكون، وكلّ طرف يضطرّ على الكرّ وعلى الفرّ، وكلاهما ملزمان أحيانًا بتعاقدات وتحالفات لا يرضون عنها تمام الرضى، وإنّما هي من باب غلبة المصلحة العامّة، تحصيل منفعة ودفع ضرر.

يبقى السؤال: هل كلّ الأطراف السياسيّة عالقة في هذه المعارك؟ الجواب بسيط، إمّا أنّها أطراف سياسيّة عاملة من أجل الانتصار للفكرة، وهذه مجموعات عالقة في المعارك. وإمّا أنّها مجموعات لاهية غافلة، تستفيق لتستنكر وتلعن، أو لتشكر وتمدح، لكنّها غير قادرة على دفع أذى ولا على جلب مصلحة، لا هي تدعم خيرًا، ولا هي تحارب شرًّا، لا هي تنصر ضعيفًا، ولا هي تطيح بظالم، وهي بأمن وأمان وسلامة من هذه المعارك والوقائع.

الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلامية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى