أخبار هامةمقالات

“الفارس الذي حفظ كتاب الله فحفظه ” بقلم الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلامية

منذ هذا العام، سيُعتبر يوم الإثنين 26.09.22 محطّة فارقة في تاريخ أمّتنا الإسلاميّة، حيث رحل عنّا عالمٌ فقيهٌ وشيخٌ جليل، رحل عنّا شيخ الوسطيّة، المرجِّح للرخصة والداعي إلى التيسير والتبشير، رحل عنّا إمامٌ موجِّهٌ لأمّته، وحينما كانت تأتيه المسألة يراعي خصوصيّة السائل والمكان والظرف، فيُكثر من مقولة “أهل مكّة أدرى بشعابها”، رحل عنّا مشربٌ من مشارب العلم الإسلامي، رحل العلّامة الدكتور يوسف القرضاوي، وقد خلّف لنا من ورائه إرثًا مكتبيًّا وعلمًا غزيرًا شاملًا لكافّة مناحي الحياة.

عاش الشيخ حياته كلّها لله، فقد أتمّ حفظ كتاب الله منذ كان طفلًا لم يتجاوز العقد الأوّل من عمره، ثمّ اجتهد في طلب العلوم الشرعيّة في الأزهر الشريف، فارتقى وتفوّق في علمه حتى أصبح عالمًا ربّانيًّا لا يُشق له غبار، وواعظًا ومحدِّثًا مجتهدًا، وإمامًا وخطيبًا لبقًا، ومفتيًا ومؤصّلًا وموجّهًا في الشريعة والحياة، وكاتبًا وأديبًا وشاعرًا فصيحًا، ومناضلًا ذاكرًا عابدًا، حدّث عن دور الصلاة في حياة الناس وعن أجمل صلاة مغرب صلّاها في حياته، فكانت وهو سجينٌ في سجون مصر، حين سمح السجّان للمعتَقلين من الإخوان الخروج لساحة السجن لأداء صلاة المغرب جماعة، وذلك بعد إصرارهم على ذلك. يقول الشيخ رحمه الله: تقدّمتُ لإمامة المصلّين المعتقلين في الساحة الكبيرة، فقرأت الربع الأخير من سورة آل عمران، وفيها من الآيات ما تحث على الصبر والاحتساب، “لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ”، واختتمت القراءة بالآية الكريمة “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”، وكرّرت الآية مرارًا، وإذ بالمصلّين يجهشون بالبكاء. كانت تلك أجمل صلاة مغرب صلّيتها في حياتي.

رحل الشيخ وما رحلت علومه، فقد عاش الدكتور يوسف القرضاوي بيننا ما يقارب القرن من الزمن، فألّف وكتب علومًا تعتبر مرجعًا ومصادر يلجأ إليها الباحثون، وستبقى مشعل علم يُستدلّ بها. وقد جمع الشيخ بين طلب العلم وحرصه على قول كلمة الحقّ، وهذا ما كان سببًا في سجنه ثمّ في عيشه بالمنفى طيلة حياته. ما هان الشيخُ يومًا وما استكان، كانت عقيدته الخطّ الأحمر الّذي لا يُداهن فيه، وكان فكره حرًّا نيّرًا وكلمته صادحة أبيّة، وقد قال: سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي، وأموت مبتسمًا ليحيا ديني.

لم يترك الشيخُ منبرًا إلّا واعتلاه ليقول كلمة الدين والإسلام، فكتب كتبًا، ونشر مقالات، وقدّم الندوات والمحاضرات، وشارك في الأبحاث والمؤتمرات، وكانت له برامج تلفزيونيّة تابعها الملايين، ونشر كلمته عبر وسائل التواصل الاجتماعي كلّها حرصًا منه على نشر الدعوة الّتي قضى حياته من أجلها، وترشيد الصحوة الإسلاميّة الّتي كان أحد أعمدتها، وحرص طول حياته على ترسيخ مفاهيم التيسير والوسطيّة والاعتدال، وحذّر من الغلو الّذي قد ينتهي بالشباب الغيورين على دينهم إلى تخوين وتكفير مَن خالفهم، واعتبر هذا الطريق هو ذات الطريق الّذي انتهى به الخوارج قديمًا.

في إحدى مقابلاته، وردًّا على السائل الّذي وجّه التهم للقرضاوي باعتباره قليل التحريم وكثير التحليل، وبأنّه متهاون مع السنة، أجاب رحمه الله بأنّ منهجه في التيسير منهج نبوي، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم ما خُيِّرَ بين أمرين إلّا واختار أيسرهما، وأضاف: ممّا هو معروف في تاريخنا الإسلامي شدائد ابن عمر ورُخص ابن عبّاس، وأنا من الميسّرين باتّباع الدليل، فلا أقلّد أحدًا طالما لدي القدرة على الترجيح، فعصرنا اليوم أحوج إلى التيسير لرقّة الدين وضعف اليقين، ومن يرى غير ذلك فليُصدر كتابًا يسمّيه الحرام والحرام”، وكانت هذه إشارة لمن اعترض على كتابه “الحلال والحرام”.

وفي ذات المقابلة أضاف الشيخ: السنة النبويّة أنا من المدافعين عنها، حيث أشغل اليوم مدير مركز بحوث السنة، ولدي عدّة مؤلّفات في شرح السنّة والدفاع عنها، منها: “السنّة مصدرًا للمعرفة والحضارة”، “كيف نتعامل مع السنة”. وقد وضعت ثمانية ضوابط للتعامل مع السنّة، منها أنّه لا يجوز استخراج الحكم من حديث واحد مُنفصل، بل يجب جمع كلّ الأحاديث في المسألة الواحدة لإصدار الحكم. وفي الجانب الأصولي أنا أرى أنّ الأمر في السنّة ظاهره على الاستحباب لا الوجوب، وهذا رأي أصولي له مصادره في كتب أصول الفقه.

هذه السبائك القرضاويّة سنفتقدها حتمًا. إلى جنّات الخلد يا فقيه الأمّة، نسأل الله أن يجمعك بالنبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وأن يسقيك من يد نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم شربة لا تظمأ بعدها أبدًا. اللهم أجر أمّتنا في مصابها، واخلفها خيرًا يا رب العالمين.

الشيخ صفوت فريج
رئيس الحركة الاسلامية


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى