أخبار محليةأخبار هامة
أخر الأخبار

الشيخ عبد الله نمر درويش قصة شعب :”ولد في النكبة ومات في ذكراها ” بقلم عبد الكريم عزام

في العام 1948 ولد الشيخ عبد الله نمر درويش عيسى في قرية كفر قاسم التي تقع في قلب فلسطين في اقصى المثلث الجنوبي وتبعد كيلومترات قليلة عن مدينة يافا حديثة التهجير العاصمة الثقافية والاقتصادية لفلسطين وعددا اكثر من الكيلومترات عن مدينة نابلس العريقة التي اطلق عليها تسمية “دمشق الصغرى” لما فيها من تشابه مع مدينة دمشق الام والتي تميزت بصناعة الصابون وبأسواقها العريقة وبعلمائها الافذاذ , فكان مولده رحمه الله على الخط الفاصل بين حدود الخط الاخضر(1948)والخط البنفسجي(1967).

وكان لموقع ولادة الشيخ الاثر الاكبر في تشكيل هويته الفكرية وبلورة فهمه السياسي للواقع الفلسطيني مع كل ابعاده الفكرية والاجتماعية .
فقد نهل الشيخ من يافا وبحرها ومينائها ذلك الفكر المنفتح على العالم العابر للحدود الاقليمية العميق كما البحر والمليء بالرؤية الانسانية العالمية للدين الاسلامي , كما نهل من نابلس العلوم الاصيلة المتجذرة بعمق في التاريخ الوطني الفلسطيني ونجح بحكمته بحمل هاتين الرؤيتين من هذين العالمين دون تناقض او انفصام .

وفي العام 1956 عايش الطفل الغض العليل مجزرة كفر قاسم والتي شكلت محطة اضافية في بناء شخصية الشيخ المؤسس , تلك المجزرة التي كشفت جانبا من بشاعة المحتل الجديد لفلسطين وشراسته في التعامل مع اهل البلاد الاصلانيين وجانبا من صمت العالم العربي /الاسلامي وعجزه واستنكاره الخجل او شجبه المتواضع مع جهله بطبيعة علاقة المذبوحين بارضهم والى حد بعيد جهله بوجودهم اصلا.

وكان اول الداخلين الى كفر قاسم ونقل شهادات عن هول الحدث الصحفي اليهودي العراقي لطيف دوري الذي دخل القرية في اليوم التالي للمذبحة وفضح للعالم هولها وحقيقتها وكسر جدار الكتمان واخفاء الحقائق الذين احاط القرية المنكوبة مما احرج السلطات الاسرائيلية محليا وعالميا .

ثم تبع لطيف دوري بعض العقلاء اليساريين من يهود وعرب من امثال اوري افنيري والشيوعي توفيق طوبي وزميله مئير فيلنر الذين بدأوا بنقل بشاعة الجريمة وتوثيق شهادات الناجين واقاربهم .

لقد عايش الطفل الحذق تلك الوقائع فتركت في ذاته اثرا بعيدا من حيث رؤيته للآخر سواء على شكل دولة عميقة او مؤسسة عسكرية او غير عسكرية , او الاخر على شكل افراد يمكن مخاطبتهم من خلال انسانيتهم وكسبهم الى جانب الحقيقة والحق .

وتزامنت مجزرة كفر قاسم مع العدوان الثلاثي (بريطانيا – فرنسا- اسرائيل ) على مصر الناصرية التي تباهت بتصديها لهذا العدوان واعلنت انتصارها على الرغم من ان العدوان حقق اهم اهدافه عندما نجح بنشر قوات طوارئ دولية في سيناء المصرية .

لقد نجح الناصريون الذين يحكمون اكبر واهم دولة عربية , مهد الثقافة والفكر والحركات الاسلامية والقومية بإقناع العالم بانتصارهم مما ساعدهم في تثبيت انفسهم في الحكم والبروز للعالم العربي كله بأفضل صورة رغم عمق الهزيمة وتخليهم قبل سنوات عن حلفائهم بالثورة ضد الملك ورميهم في السجون وكتابتهم لرواية مغايرة لأحداث ورموز الثورة والثوار.

لقد ولد الشيخ في ظروف لا تتصف بالسذاجة او المثالية السياسية , عالم تتصارع فيه قوى وافكار عديدة , فيه برزت القومية العربية واليسارية الاشتراكية كملجأ فكري لأغلب الجماهير , كما برزت مركزية الجيوش والعسكريين في ادارة شؤون العالم العربي مستغلين ماكينة اعلامية ضخمة , وفي المقابل العمل على قمع ارادة الشعوب واشغالها بانتصارات وهمية وتهميش القضية الفلسطينية على حساب ادعاء الانشغال في البناء الداخلي وتأجيل نصرة فلسطين الى ما بعد الاعداد والتمكين .

في تلك الظروف ولدت منظمة التحرير الفلسطينية (1964) كالممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وعمودها الفقري حينها حركة فتح(1958) التي تبنت في انطلاقتها النهج العسكري كنهج عملي لتحرير فلسطين وبقيت على هذا النهج حتى توقيعها اتفاقية اوسلو في ظروف متقلبة تتميز بالتنقل بين العواصم العربية والبحث عن حاضنة عربية امنة ودعم عربي يتجاوز الشعارات , وبرزت شخصية ياسر عرفات في هذا البناء كشخصية مركزية في النضال الفلسطيني , كما برزت شخصيته كمناضل ثائر و كشخصية اعلامية مركزية تمثل الفلسطيني اللاجئ الحالم بالعودة الى وطنه والذي لأجل هذا الحلم لا يتردد في تقديم الغالي والنفيس .

كان حمل السلاح حلا وحيدا ظاهرا في الافق العملي امام الفلسطينيين وكل من يرفضه يكون خارجا عن الاجماع الفلسطيني خاصة لمن هم خارج الوطن التاريخي , في حين عاش الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني في ظروف الحكم العسكري الظالم الذي حرمهم من التواصل مع اشقائهم العرب والفلسطينيين مع اعتبار التواصل مع ممثلهم الشرعي عملا غير قانوني يحاكم عليه القانون بالسجن والملاحقة .

في تلك الاثناء كان العالم العربي يعد العدة الاعلامية للمواجهة القادمة مع اسرائيل حتى انتكست جيوشهم وبدأت معالم فشل التوجهات القومية/ العسكرية تتضح للعرب والمسلمين فتبع النكسة صحوة فكر منافس طالما تم اخراسه هو الفكر الاسلامي المتمثل بحركة الاخوان المسلمين تلك الحركة التي عايشها الشيخ عبد الله وهي تتعرض لضربات ومؤامرات في مهدها المصري ثم في اماكن اخرى .

لقد شكلت النكسة تراجعا للقومية وبدا انتقال الفكر الاسلامي الشعبي في فلسطين الى العمل المؤسس التنظيمي السياسي بعد طول سبات . وكان من نتائج الاحتلال الاسرائيلي الجديد لمناطق ال67 اعادة الربط الثقافي والتجاري بين شقي فلسطين وبدا توافد طلبة العلم من الداخل الفلسطيني على المعاهد الدراسية خاصة الشرعية يبرز حتى امتلأت تلك المعاهد في الخليل وغزة ونابلس وقلقيلية بهؤلاء الطلاب .

لقد وصل الشيخ الى المعهد الاسلامي في نابلس لطلب العلم في العام 1971 وفي العام 1972 اسس نواة الحركة الاسلامية في كفر قاسم وتبنى نهج الاخوان المسلمين التقليدي من خلال الدعوة المباشرة وتعريف الناس بالإسلام واعتباره الحل الوحيد بعد فشل القومية العربية في مشروعي تحرير فلسطين والتنمية , وبدا هذه الدعوة تتجاوز قرية كفر قاسم حتى وصلت الى معظم انحاء الداخل الفلسطيني .

وفي اواخر سبعينيات القرن الماضي وبتأثير الاجواء النضالية الفلسطينية المسلحة انتقل العمل الدعوي السلمي الى العمل المسلح هذا العمل الذي انتهى بسجن الشيخ ورفاقه ثم بخروجهم بتصورات مغايرة لطبيعة العمل الاسلامي في الداخل الفلسطيني والامر الذي ادى الى هذا التغيير في النهج لا يتعلق بالسجن الصغير والمعتقلات او بفهم عسكري جهادي للإسلام بقدر ما يتعلق بمؤثرات واقعية عملية للواقع الفلسطيني خاصة تلك الوافدة من جنوبي فلسطين بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد وترسيخ حقيقة واقعية اننا في الداخل الفلسطيني خارج أي مفاوضات مستقبلية .
ان الشيخ المحرر من السجن لم يتأثر بتعديل وجهته من قراءات اسلامية فقط بقدر تأثره بقراءة الواقع المحيط بالفلسطينيين ومن هذا المنطلق كانت بداية مشاركة الحركة في الانتخابات للسلطات المحلية حيث اعتبر الشيخ المؤسس ان هذه المشاركة ضمان بقاء للعمل الاسلامي ونقله من مرحلة الصمت الى مرحلة التداخل بالواقع ومنافسة التيارات الاخرى على التأثير في الواقع .

ان رؤية الشيخ الواقعية برزت في اثناء الانتفاضة الاولى بشكل واضح ومع قراءته لواقع الفلسطينيين في الداخل فرض بحكمة بالغة وبعقلانية راسخة على ابناء الحركة النهج الواقعي خاصة انه كان شاهدا على ضعف العدالة الاسرائيلية قبل ذلك مرات ومرات منذ مذبحة كفر قاسم حتى هزيمة ال67 ثم قراءته لاتفاقية كامب ديفيد على انها فرض احد خيارين على الفلسطينيين في الداخل احدهما التهجير والاخر التقتيل وفي كليهما سيكون سقف السلوك العربي المحيط ما بين الاستنكار او الاستنفار العاطفي لأيام او لأسابيع او في افضل تقدير نقل القضية الفلسطينية الى مجرد خبر اعلامي عابر .

وقد تحققت هذه الرؤية الواقعية للشيخ حين بدأت بوادر لقاءات مدريد ثم اتفاقية اوسلو تعطي مؤشرات واضحة اننا في الداخل الفلسطيني خارج أي تسوية محتملة خاصة عندما قبل الفلسطينيون من خلال منظمة التحرير بحل الدولتين لشعبين بشكل كامل وصريح فاصبح واقع الفلسطينيين في الداخل لا يحتمل المناورات السياسية .

في هذا الواقع يمكن فهم قرار الشيخ بدخول الحركة الاسلامية معترك العمل البرلماني في العام 96 وليس قبل ذلك , فقرار المشاركة كان نابع بالأساس من قراءة الواقع بكل ابعاده بما في ذلك ان كل القوى الاخرى في الداخل الفلسطيني كانت تشارك وتنافس على كسب تأييد الشارع الداخلي فلا يمكن تركها لوحدها في هذا المضمار .

ان قراءة الواقع الفلسطيني والعربي منذ النكبة وضع اما ناظري الشيخ فكرتين اساسيتين الاولى انه لا تغيير للواقع دون وحدة ورص الصف الفلسطيني والثاني انه لا بد لصناعة الثبات منح ” الامان” للفرد الفلسطيني طالما ان العالم سواء العربي ام العالمي ليس بمصدر يعتمد عليه او يشكل ظهرا داعما للفلسطيني سواء في حدود ال 48 ام في حدود ال 67 وقد تأكدت هذه الرؤية الحكيمة في احداث الربيع العربي خاصة في سوريا ومصر عندما تعرت الانسانية العالمية وتخاذلت ودعمت الانظمة العسكرية القامعة رغم كل شعاراتها الجميلة ولم تقدم للإنسان العربي المظلوم اكثر من خيام لاجئين او معونات غذائية متواضعة
رحم الله الشيخ المؤسس


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى