مقالات

“السِّياسة والإعلام بين الأخلاق وأنصاف الحقائق ” بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس رئيس الحركة الإسلاميَّة

تطفو على السَّطح أحياناً قضايا ثانويَّةً ، تأخذ حيِّزاً في الإعلام وتكون سبباً في أزماتٍ أكبر ممَّا تستحقُّ . في حين ، تمرُّ بعض القضايا المهمَّة دون تركيزٍ عليها ، ودون أن تأخذ حقَّها في المناقشة أو النَّقد . وبالتَّوازي ، فإنَّ بعض الأشخاص والهيئات تُراقَب أقوالهم ومواقفهم وهمساتهم بالمكبِّرات والنَّواظير ، وغيرهم يقعون في الأخطاء والإشكالات والتَّناقضات ، دون رقيبٍ أو حسيبٍ أو ناقدٍ . فأين الخلل ، وما السَّبب ، وهل ترتجى في عالمنا المعاصر عدالةٌ وإنصافٌ ؟ .

▪️بدايةً نؤكِّد أنَّ الإعلام في غالبيَّته تقوده أجندةٌ وسياساتٌ ، ومن وراء كلِّ وسيلةٍ إعلاميَّةٍ – على الأغلب – توجُّهٌ سياسيٌّ ، أو مموِّلٌ ، يريد الوصول إلى مبتغىً يخدم أهدافه الَّتي يروِّج لها . ونادراً ما تجد الإعلام الحياديَّ ، الَّذي يتعامل بالنَّزاهة المطلقة ، والتَّوازن المقبول مع كلِّ القضايا والأشخاص المقصودين في التَّغطية الإعلاميَّة .
▪️الإعلام الإسرائيليُّ على سبيل المثال ، في غالبيَّته ، يجتهد في إثارة القضايا الخلافيَّة ، الكفيلة بإثارة النَّعرات العصبيَّة ، الطَّائفيَّة والحزبيَّة ، لعلَّه ينجح في تفريق الصَّفِّ العربيِّ وهدم أيَّة تجربةٍ وحدويَّةٍ بين مركِّباته المختلفة . تساعده في ذلك كثيرٌ من الأبواق العربيَّة ممثَّلةً في التَّغريدات عبر وسائل التَّواصُل ، والمقابلات في وسائل الإعلام المختلفة .
▪️في واقعنا المُركَّب ، من السَّهل جدّاً اقتطاع أيِّ جزءٍ من حديثٍ طويلٍ لإستخلاص نتيجةٍ مغايرةٍ عن المقصد العامِّ ، ولا يلزم لتحقيق ذلك ، إلَّا وجود غايةٍ تبرِّر تلك الوسيلة ، وقليلٌ من سوء النِّيَّة . والحمد لله ، أنَّهما متوفِّران بغزارة .
▪️معظم القضايا السِّياسيَّة ليست قطعيَّة الدَّلالة. وفي معظمها تجد جانباً من الإيجابيَّة وجانباً من السَّلبيَّة ، وتتفاوت النِّسب بين حالةٍ وأخرى . كلُّ ذي رأيٍ في الشَّأن العامِّ قد يضخِّم ما يخدم فكرته ، ويقزِّم أو يتجاهل ما يتناقض معها ، فالجميع مستعدٌّ للإكتفاء بأنصاف الحقائق ، ليقنع نفسه بصدقيَّة موقفه .
▪️أمثلة ذلك كثيرة :
▪️مثلاً ، إسقاط نتنياهو صاحب السِّياسات والقوانين والممارسات العنصريَّة ضدَّ شعبنا أمرٌ مهمٌّ جدَّاً ، ووعدٌ إنتخابيٌّ ملزم . كلامٌ سليمٌ ، ولكنَّه نصف الحقيقة . أمَّا النِّصف الآخر ، فنتنياهو اليوم في ظرفٍ سياسيٍّ صعبٍ ، وائتلافٍ أكثر توازناً بين يمين ومركز ، من الفترات السَّابقة . وأيُّ مساهمةٍ في تقديم الإنتخابات ، ستعيد اليمين أقوى وأشرس ، وأكثر فتكاً بمجتمعنا العربيِّ . وتعيدنا نحن أضعف وأقلَّ تأثيراً في السَّاحة السِّياسيَّة ، وتُفقدنا بعض أوراق الضَّغط والمناورة المتاحة بين أيدينا اليوم على قلَّتها . وعليه ، فإنَّ من الحكمة مناقشة وموازنة الخيارات والتَّرجيح بينها وفق ما يصلح لمجتمعنا وشعبنا .
▪️مثالٌ آخر ، عندما تثار قضيَّةٌ استثنائيَّة هامشيَّة في مجتمعنا ، ولكنها محسومةٌ في ديننا وقيَمنا وأخلاقيَّات شعبنا ، كقضيَّة المثليِّين ( الشَّواذِّ ) ، فإنَّ من يقف موقف الغالبيَّة السَّاحقة من شعبنا ، بحاجة إلى إثبات موقفه مراراً وتكراراً . في حين أنَّ من يخرج عن هذه القيَم والأخلاق والثَّوابت الدِّينيَّة ، يمرق منها دونما رقيبٍ أو ناقدٍ .
▪️والأغرب من ذلك هي تلك الفئة ، الَّتي إن رأتك على حقٍّ وبعض شركائك قد زاغ عنه ، اتَّهموك بسبب مشاركتهم . فإن تمايزتَ عن شركائك تعبيراً عن قناعاتك ، أيضاً اتَّهموك بأنَّك تخرج عن الصَّفِّ وتهدِّد الوحدة . وعليه ، فإنَّك لن ترضيهم إن خرجتَ أو بقيتَ . لو كان هؤلاء منصفين ، أو نزيهين ، لشجَّعوك على الحقِّ ولحذَّروك من الوقوع في الزَّلل ، بدلاً من أن يتصيَّدوك على جميع الأحوال .
▪️وللحقِّ نقول :
نحترم كلَّ من ينصح مع إبداء المحبَّة والحرص على الصَّالح العامِّ . أمَّا من يجتهد في فضحك واتِّهامك والتَّربُّص بك ، إن أحسنتَ بخَّسك ، وإن أخطأتَ خوَّنك واتَّهمك ، فأولئك لا يؤتمنون على نصيحةٍ ، ولا يؤبه لنقدهم ، لأنَّهم على جميع الأحوال لا يرقبون فيك إلَّاً ولا ذمَّةً .
▪️وختاماً :
فإنَّ الكثيرين ممَّن يسهل عليهم نقدنا وتجريحنا ، فإنَّهم مقتنعون داخليَّاً بسموِّ أخلاقنا وإن لم يعترفوا بذلك . فعندما يُسبُّ ويُقذَف ويساء إلى أحدنا عشرات المرَّات ، ولا يردُّ الإساءة بمثلها ، فإنَّه ينعم ( ذلك المخاصم ) بالتَّعامل مع أخلاقنا الرَّفيعة . ولو علم فينا شراسةً أو زعرنةً أو عُنفاً ، لأحجم عن سبِّنا وقذفنا .
▪️ولذلك ، ستظلُّ تقودنا الأخلاق ولو تخلَّى عنها الكثيرون ، ملتزمون قول الله تعالى : ” خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ” .
▪️ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه وليٌّ حميم

“والله غالبٌ على أمره ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون ” .


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى