مقالات

*الحرب تفضح معايير الغرب المزيّفة* بقلم : الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلاميّة

تؤدي الصراعات بطبيعة الحال إلى إثارة خبايا النفس البشرية، وعادة ما تختلف هذه الأمور المثارة باختلاف التصوّرات الكامنة في كلّ نفس، وقد يزيد من حدّة هذه الاستثارة أن تكون تفاصيل الصراع منشورة بكلّ تفصيلاتها في الإعلام. ودون التطرّق للدوافع الّتي جعلت الصراع الحاصل اليوم بين روسيا وأوكرانيا منشورًا بتفاصيله، إلّا أنّه لا يمكننا أن نخفي حقيقة كون هذا الصراع قد نجح بإثارة أمور عدّة، منها التصريحات والأفعال الّتي فضحت ازدواجيّة المعايير من قبل ذوي العيون الزرقاء.

لا شكّ أنّ كثيرين من شبابنا العربي اغترّوا -ومنهم من لا يزال- بزيف إنسانيّة الغرب، وباعتقادهم أنّ المبادئ الغربية سامية لدرجة أنّها لا تميّز بين عرق ولون وجنس. هذا الزيف مبنيّ على شكليّات وزيارات استجماميّة أو تعليميّة لبلاد الغرب، لكنّ صواريخ الحرب الّتي تدور رحاها في هذه الأيّام فجّرت صدمة لدى شبابنا المغترّ بتلك الحضارة، حيث تكشّفت ورقة التين ففضحت تمييزًا غربيًّا عنصريًّا يفرّق بين طفل أبيض وغير أبيض، بين عجوز أوروبيّة أوكرانيّة وبين كبار السنّ في إفريقيا والشرق الأوسط.

ثلاثة أسابيع فقط من الحرب على أوكرانيا والاستنكارات والتهديدات ووقف المعاملات مع روسيا من كافّة دول الغرب وأمريكا لم تكفّ حتّى يومنا هذا، وبتنا أقرب إلى أن تخضع روسيا لتضييقات دول الغرب عليها، وتلزمها بوقف هذه الاعتداءات الوحشيّة على الشعب الأوكراني. وسبحان الله، هذه الأفواه المستنكرة، وهذه القيادات القادرة على إخضاع دولة عظمى مثل روسيا، نراها عاجزة على أن تفتح الحدود أمام أبناء الشعب السوري، حتّى محطّات هذه الدول الّتي تبثّ معاناة الشعب الأوكراني على مدار الساعة، بعيون المراسلين الدامعة، نراها عاجزة على أن تقدّم تغطية حقيقيّة صادقة لمعاناة السوريّين وهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.

ما يقوم العالم به هذه الأيّام من فتح الحدود أمام الشعب الأوكراني لحمايتهم وإيوائهم، واجب إنسانيّ وأخلاقي من الدرجة الأولى. لكنّ هذا الواجب لا يقتصر على ذوي العيون الزرقاء، ملايين السوريّين هُجِّروا من بيوتهم وركبوا البحر بحثًا عن مأوى، والكثير منهم لقي حتفه غرقًا أو قتلًا أو بردًا على الطريق، فأين كانت أمريكا ودول الغرب من هذه المعاناة الّتي لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري؟

عمومًا، لعلّ الحقيقة تكون قد تكشّفت أمام المغترين بحضارة الغرب، ولعلّ هذا يُعيد شبابنا للتفكير مجدّدًا بأنّ أصل الاخلاق وذروتها كامن فينا كأمّة عربيّة إسلاميّة، أمّة من قال الله فيه “وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين”، للعالمين، وليس فقط للمسلمين. وحتّى ما قبل إسلامنا، فإنّ معاييرنا العربيّة الأصيلة تأبى أن لا نغيث ملهوفًا أو أن نفرّق بين مظلوم ومظلوم. هذا حِلْف الفضول الّذي أقامه العرب قبل الإسلام لنصرة المظلومين، قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: “لو دُعِيِتُ إلى مثله في الإسلام لَأَجَبْت”.

اللهمّ إنّا نعوذ بك من قسوة القلب والضمير. اللهمّ إنّا نسألك أن تغيث الملهوفين في كلّ مكان، وأن تجبر كسرهم وترحم ضعفهم، اللهم أحلّ على الإنسانيّة أمنًا وطمأنينة وسلامًا إنّك أنت الرحيم السلام


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى