أخبار هامةمقالات

” الأسرة نواة المجتمع ” الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلامية

الأسرة في الإسلام من أهم ما يُرتكز عليه لبناء مجتمع سليم ومتماسك. كيف لا والأسرة هي نواة المجتمع وأساسه المتين، فيها ينشأ الفرد ويترعرع، ويكتسب أولى صفاته الخُلُقيّة ومهاراته الحياتيّة، وفيها تتكوّن اللبنات الأولى لأبرز سماته الشخصية التي ستصاحبه طفلًا، ثمّ ترافقه طوال محطّات حياته، عدا عن كون الأسرة السليمة الحصن الحصين لأفرادها في شبابهم خشية الانزلاق والتيه، وكذلك تحفظ للكبار هيبتهم وبرّهم في أرذل العمر.

لذا فقد حظيت الأسرة بقدر عال في الإسلام، ونالت مكانة واهتمامًا في كافّة تفصيلاتها. وقد شرّع الله للرّجل والمرأة الاتّصال بُغية بناء أسرة وبغية الحفاظ على استمراريّة النسل والمجتمعات، وذلك حين قال جلّ في علاه: “وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ”. وحتّى يتحقّق السكون الروحي في هذا الزواج، فقد حدّد الإسلام شروطًا لبناء أسس الأسرة وقواعدها بصورة قويّة ومتينة، حيث أُمرنا بدايةً بأن نُحسن الاختيار، وأن يكون زواجنا بهدف بناء أسرة صالحة تعين المجتمع ولا تكون عليه عبء.

كذلك فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد حثّ صحابته ويحثّ أمّته على الزواج حين قال: “من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنّه له وِجَاءٌ”، ويأمرنا بحسن الاختيار في قوله: “تُنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”.

إنّ الزواج حماية من الوقوع في الزنى ومن إقامة العلاقات الرخيصة خارج إطار الزواج وإفراغ الشهوة في غير موضعها، ولهذا ما له من آثار سلبيّة لا تُحمد عقباها على الأسر والمجتمعات، وما قد يترتّب على ذلك من عزوفٍ عن الزواج وإنشاء الأسر، أو اعتياد الشباب على العلاقات السهلة الرخيصة المتعدّدة، ممّا يصعّب عليهم فيما بعد إقامة علاقة نظيفة مع زوجة شرعية، وهذا من الأمور التي قد تؤدي إلى الخيانة وتزعزع استقرار الأسرة، وفي بعض الحالات قد تؤدّي إلى إنجاب أطفال بالحرام، ولا تجد أسرة لهم ترعاهم، وغيرها من الآثار السلبية المقيتة الّتي تزعزع أركان المجتمع. وليس عبثًا أن حرّم الإسلام الزنى، وجعل ذلك كبيرة من الكبائر حفاظًا على النسل والأسرة، ليحفظ للطفل نشأة سليمة وصالحة. بل من عظمة الإسلام أن حرّم الطريق إلى ذلك ابتداء، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ”، فلا ننتظر الوقوع في الكبيرة، وإنّما نحذر من كلّ خطوة قد توصلنا إلى هناك.

ثمّ يستمرّ التوجيه الإلهي فيما بعد الزواج، حيث بيّن الله ما علينا من واجبات أسريّة وما لنا من حقوق، سواءً الرجال أم النساء أم الأبناء، ورتّبت شريعة الله العلاقات بين أركان الأسرة جميعها، فالقوامة للأب وله الطاعة وعليه النفقة، والمكانة للأم ولها حسن الصحبة فهي الّتي ترعى وتربّي، وجُعلت الجنّة تحت أقدامها، وحين سُئل النبي عليه الصلاة والسلام من أحق الناس بحسن الصحبة، أشار إلى أن حسن الصحبة للأم ثمّ للأم ثمّ للأم ثمّ للأب.

وعلى كلا الوالدين العدل بين الأولاد للحفاظ على حقوقهم، وكذلك للحفاظ على تماسك الأسرة ووقايتها من التفكّك الناشئ عن الغيرة والحسد، قال عليه الصلاة والسلام “فاتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم”، وقال أيضًا “إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولُوا”. والعدل مطلوب من الأهل ليس فقط بالمادّيّات، بل وبالعواطف والاهتمام والنصح والتوجيه والإرشاد.

إنّ العدل في الأسرة يحفظ تماسكها، ويقوّي ارتباطها وأركانها حتّى بعد وفاة أحد الوالدين أو كليهما، وإنّ صلاح الأهل هو القلعة الحصينة التي يأوي إليها الأبناء فتحفّهم حماية الله ورعايته، وكلّ ذلك بصلاح الأهل.

كذلك تستمر الأسرة الصالحة المتماسكة حتّى في الدار الآخرة، حين يلتم شملها في الجنة، فالذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيتهم بإيمان يجتمعون في الجنة، فمن مات على شيء بُعث عليه، قال تعالى: “وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍۢ ۚ كُلُّ ٱمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ”، فهي الأسرة المتماسكة في الدنيا، التي أخذت بيد أبنائها وأفرادها ومنعتهم من الوقوع في مستنقعات المعصية والانحراف، أو الّتي أخرجتهم من هناك إلى سبيل الرشاد، هي ذات الأسرة الّتي يكتب الله لها أن تستمر في الأخذ بأيديهم في الجنة لرفعة الدرجات والفوز فيها.

هي الأسرة إذن إخواني وأخواتي، وكما أنّ واجبنا كوالدين بأن نمكّن للأبناء مستقبلًا مؤسّسًا، فندعمهم في تعليمهم ونقف إلى جانبهم في بناء البيت والزواج، كذلك واجبنا بأن ننمّي فيهم حُسن الخُلق، وأن نسقيهم بتعاليم الإسلام، وأن نورّثهم السمعة الحسنة، فلا يكون اسمنا عبئًا عليهم، بل نعمل لأن تصيبهم بركات أعمالنا، فما نقدّم من خيرٍ في السرّ والعلن، قد يكون لهم معين من حيث لا يدرون، فلا يضيع صالح أعمالنا عند الله.

الشيخ صفوت فريج
رئيس الحركة الإسلاميّة


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى