أخبار هامةمقالات

“إهراق دم الأضحية يوم النحر من أعظم العبادات” الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلاميّة

تتنوع العبادات في ديننا الحنيف، بل تمتزج ما بين عبادات الجوارح وعبادات القلوب، لكنّها مع تنوعها لا يمكن أن تفترق، فالصلاة والصيام والزكاة والحج، والّتي هي أصول العبادات، ومع كونها عبادات ركيزتها الجهد البدني، إلّا أنّ هدفها هو تقوى القلوب، ” وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ”، يقول القرطبي: “والشعائر جمع شعيرة، وهى كلّ شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم”.

فكلّ أمر لله تعالى فيه طلب للعبادة، وإن كان في ظاهره حركات جوارح، تكون ثمرة تعظيم هذا الأمر هي التقوى، سواء كان صيام أو صدقة أو لباس ليوم العيد والجمعة أو حتى إهراق دم في أضحية. لذا، كان تعظيم شعائر الله جليًّا في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحابته الكرام، كالاغتسال ليوم الجمعة والدعوة إلى لباس أنفس الثياب لهذا اليوم، وكذلك لباس يوم العيد والفرح والسرور فيه، وما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها في تعطير الصدقة، وما روي من أعمال الصحابة والسلف من تعظيم أيام رمضان ولياليه، والعشر من ذي الحجة.

ومن أهم الشعائر في هذه الأيّام الفضيلة، هي شعائر الحج، ومن أخصّها يوم عرفة، والأضحية، كون هاتان الشعيرتان متاحتين لغير الحجّاج أيضًا، فصيام عرفة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: “أحتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتي بَعْدَهُ”، فهو يوم عظيم ومن تعظيم هذا اليوم لغير الحاج صيامه.

والشعيرة الأخرى هي الأضحية، هذه الشعيرة عندما كان فعل الجوارح فيها أكبر، وكان ظاهرها إهراق الدم وذبح الدواب، كانت مقدّمات تعظيم هذه الأضحية أكبر، فعن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “إِذَا رَأيْتُمْ هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعرِهِ وأظْفَارِهِ”. وذلك على سبيل الاستحباب لا الإلزام، ويستحب عند اختيار الأضحية أن تكون البهيمة حسنة وسمينة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه ضحى بكبشين أملحين، ولا تقبل الأضحية في البهائم الّتي فيها عيب لما ورد من قول الرسول عليه الصلاة والسلام “أربعٌ لا يجْزينَ في الأضاحي: العوراءُ البيِّنُ عورُها والمريضةُ البيِّنُ مرضُها والعرجاءُ البيِّن ظلعُها والعجفاءُ التي لا تُنْقي”.

كما لا يجوز للمضحّي أن يبيع جزءًا من الأضحية، فهي كلّها لله والتصرّف فيها فقط فيما أباحه الله، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا”.

ومن تعظيم الأضحية أيضًا الإحسان في الذبح، ففي الحديث الصحيح “إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته[السكين] فليرح ذبيحته”.

إنّ هذه الأفعال الّتي تسبق الأضحية وأثناءها وما بعدها، من عدم حلق الشعر واختيار البهيمة الحسنة السمينة وإحسان الذبح وعدم بيع أي شيء منها، فيها تنبيه وإشعار على مدى أهمّيّة الأمر، حيث فيها إعانة على التقوى والتذكير بأنّ أهم ما في الأضحية أنّها شعيرة لله تعالى وأمر منه وليست مجرّد دماء ولحوم، وقد قال تعالى” لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ”، فهذا مدار الأمر: التقوى. ويجب أن نعيش مع هذه الشعيرة لنستشعر هذا الأمر، ليست الحكاية أمور مادّيّة وانتهى، بل هي أفعال تدل على مدى تعظيم الله تعالى في قلبك، فالأفعال والأقوال هي مرآة ما في القلب، وإن ما يظهر منا من أفعال تجاه أمر الله تعالى دليل على مدى تعظيمنا له، فمن يعظّم الله سيتعامل مع أوامره بلهفة المحب في تلقي أمر من أحب، هذا هو مدارها وهنا المغزى، إنها القلوب ومدى تعظيمها لله سبحانه وتعالى.

ففي عرفات الله يلبّي الحجيج ويكبرون، كما يلبّي نداء الله على هدي سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وعلى ملّة أبينا إبراهيم من يضحّي لله تعالى، ويكبّر المسلمون أثناء عيدهم تكبيرات العيد ليصغر الشيطان ويدحر، فتلتقي تكبيراتهم مع تكبيرات الحجّاج في منى أثناء رمي الجمرات..

اللهم اجعله عيد خير ويمن وبركة على البشريّة يا رب العالمين.

 


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى