مقالات

” إضاءات من سورة الكهف ” بقلم : الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلامية

للقصص القرآني أهميّة عظيمة، حيث كانت تنزل هذه القصص على قلب رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، فتطمئن قلبه وتلفته إلى أخبار السابقين، كما كان يأخذ منها العبر والعظات والتوجيهات الربّانيّة امتثالًا إلى قوله تعالى: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ”.
وإنّي أقف في هذه المقالة القصيرة على ما جاء في أمّ القصص، سورة الكهف وكلّ ما تحمله هذه السورة المباركة من تشويقات القصص، مواعظها وعبرها، والّتي إن وقفنا على معانيها فإنّنا بالضرورة نستسقي منها تداويًا فكريًّا وثقافيًّا وروحيًّا وفلسفيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا. وسأجتهد بإذن الله أن أربط بين أبرز ما جاء في هذه القصص وبين ما يمكننا فهمه وتطبيقه على أرض الواقع، لا سيّما في هذه المرحلة.

*كلّ علم غير علم الله محدود*
فلا يغترّ امرؤ بعلمه مهما بلغ من معرفة وإدراك، حيث يبقى علمه محدودًا، ويبقى علمه كلّه في إطار العلم القليل، “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”. وهذه الرسالة الّتي أراد الله تعالى أن يوصلها لكليمه موسى عليه السلام، حيث ظنّ أنّه أعلم خلق الله، فبعث الله بالعبد الصالح ليريَهُ أنّ “فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ”، فيقوم العبد الصالح بما يعجز موسى عن فهمه وإدراكه، وهو موسى وما أدراك من موسى!

*جواز قاعدة أخفّ الضررين*
يقوم العبد الصالح الّذي أطلعه الله على بعض علمه بارتكاب ما قد يتوهّم الناس فيه أنّه إثم كبير، رغم أنّ هذا الضرر الظاهري، وهذه الخطوة المرحليّة الّتي قام بها، إنّما يقصد فيها نجاة ونفعًا مستقبليًّا. ظاهر الأمر حينما خرق العبد الصالح السفينة أنّه قابل إحسان جماعة السفينة بالغدر والخيانة حين أحدث في سفينتهم عيبًا، لكنّ ذلك كان لغاية عظيمة، هو أن يبقي لهم على مصدر رزقهم، كي لا يأخذها الملك الذي أقام الحواجز في البحر والموانئ ليأخذ كل سفينة صالحة غصبًا.

*ضرورة العمل على الحفاظ على سمعة البلد*
ورد في سورة الكهف أنّ الخضر وموسى استطعما أهل قرية بخلاء لا يحبّون الضيف، فأبوا أن يضيّفوهما، فهل هذا يعني أنّهما استطعما كلّ كبير وصغير في هذه القرية؟ بالطبع لا، لكنّ الصفة إذا غلبت على بلد ما فإنّ البلد كلّها تكتسب هذه الصفة، كالبخل والقساوة والعنف وغير ذلك. لذا، وجب على كلّ منّا أن يكون سفيرًا حسنًا لبلده، ووجب العمل الجماعيّ في كلّ بلد لتقليص الظواهر السلبيّة إلى أضيق دائرة ممكنة، حفاظًا على سمعة البلد وأهله. فلا نرضى بأن يقترن اسم بلدنا بالعنف والجريمة، ولا بالربا والسوق السوداء، ولا بالفسق والمجون والعياذ بالله، بل نعمل أن يقترن اسم بلدنا بالكرم والعطاء، والبذل والدين، وأن يكون مثالًا يحتذى في المواقف حينما يتطلّب الموقف هبّة في ميادين الإغاثة والوطنيّة وغير ذلك من المواقف المشرّفة.

*الأجر عند الله أعظم مثوبة*
بعض الأفعال الّتي نقوم بها لا نبتغي منها جزاءً ولا شكورًا من بشر. هذا ما تعلّمناه من إقامة العبد الصالح لجدار في بلد البخلاء، لا لشيء إلّا ابتغاءً للمثوبة من الله، “وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ”.

*خير ما تبقيه لأبنائك: اسمك وصيتك الحسن*
كم من الأبناء ينعم في هذه الحياة الدنيا ببركة صلاح والديه؟ كم من الأحداث الّتي نشهدها والّتي يقال لفلان “كرامة لأبيك فإنّي سأكرمك”؟ هذا ما حصل حينما بعث الله الخضر ليحافظ على مال أيتام لأهل صالحين. غاب الوالدين، وبقيت بركات صالح أعمالهما تحرس الأبناء.

الشيخ صفوت فريج
رئيس الحركة الإسلامية


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى