مقالات

“إضاءات من سورة الكهف” بقلم الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلامية

يقول تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، هكذا يأتي الله سبحانه بالقصص القرآني، لنتفكّر، فنأخذ ما ينفعنا، وتلك فرائضه ووصاياه وأوامره، ونتجنّب ما دون ذلك، وهي ما حرّم ونهى عنها. هكذا كانت قصّة كليم الله موسى حين صحب الأستاذ المعلّم العبد الصالح صاحب العلم اللدني، مفعمة بالعبر لمن أراد أن يتبصّر ممّا جاء فيها.

وقد لفتتني قصّة السفينة الّتي ركبها نبي الله وكليمه موسى عليه السلام، حين قام العبد الصالح بخرقها كي يُحدث فيها عيبًا ينجيها من سطوة الملك الظالم، فلا يأخذها غصبًا. وما لفتني في هذا المشهد الّذي يجمع بين نبيّ من أولي العزم وعبد صالح آتاه الله من العلم ما آتاه، أنّهما لم يتطرّقا لهذا الملك الظالم الغاصب بكلمة! لم يُعلنا عليه حربًا ولم يستلّا في وجهه سيفًا، واكتفى المعلّم الصالح بالحفاظ على سفينة المساكين الذين يعملون في البحر ويعتاشون منها، واعتبر ذلك إنجازًا يتمثّل في الحفاظ على ملكيّة السفينة.

*فماذا يعني ذلك؟*

يعني الكثير لمن أراد أن يتفكّر. إنّه يعني تقدير الحالة الّتي أنت فيها، فالقدرات والمقدّرات غير متكافئة، ولا يمكن لاثنين أن يواجها ملكًا ظالمًا وإن كانت الرعاية الإلهيّة تحفّ بهما. يقول تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وهذا تمامًا ما كان حين لم يُشهرا سيوفهما في وجه ملك ظالم.

وذلك لا يعني إقرار الظالم الغاصب على ظلمه وغصبه، وإنّما هي سنّة التدافع المتدرّجة، فتارة تحمي مصلحة بعينها، وتارة تدفع ضررًا ولو موضعيًّا أو مرحليًّا، وتارة أخرى تخطو خطوة نحو إحقاق الحق وإبطال الباطل، وتارة تُنكر منكرًا في القلب إن لم تستطع تغييره باليد واللسان. كلّ ذلك وأنت على يقين بنصر الله ووعده، على يقين بأنّ الحق قادم لا محالة، وإن طال قدومه لسنوات، لكنّ لوقع خطواته أثر تدريجيّ، يؤثّر هنا وهناك، حتّى يزهق الباطل تمامًا ويرتحل، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.

صلّى الله وسلّم على من وجّهنا لقراءة سورة الكهف أسبوعيًّا، كي تتذوّت فينا دروسها وعبرها وعظاتها، ولتكون لنا منهجًا ونبراسًا يُنير لنا الطريق، فما حياتنا في هذه الأيّام إلّا كالسفينة بلا قبطان في بحر هائج، لوما إيماننا ويقيننا بالله، وانعكافنا على كلامه، ليكون لنا زادًا ودستورًا على الطريق.

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

الشيخ صفوت فريج

رئيس الحركة الاسلامية


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى