أخبار هامةمقالات

إسرائيل في اختبار حقيقي منذ قيامها ما بين يهوديتها وديمقراطيتها| بقلم: عبد الكريم عزام

عرّفت إسرائيل نفسها منذ قيامها في العام 48، على أنها دولة يهودية وديمقراطية وتم تبني هذا التعريف بعد صراع محتدم بين تيارات الحركة الصهيونية حيث برزت في الجانب الاول التيارات الدينية التي حلمت وما تزال بإقامة دولة ذات طابع ديني يهودي، وفي الجانب الآخر برزت تيارات علمانية أرادت تغليب الطابع العلماني وفي صلب هذا الطابع الرؤية الديمقراطية الغربية.
وفي نهاية الأمر تم تبني تعريف الدولة كدولة ديمقراطية ويهودية وهو تعريف حديث على العلوم السياسية وأنظمة الحكم في العالم.

وعلى الرغم من التناقضات الجدلية ومن الصراعات الفكرية داخل المجتمع اليهودي حول هذا التعريف، إلا أن إسرائيل تعايشت داخل تياراتها اليهودية حتى قبل أشهر قليلة مع هذا التعريف بشكل من التوافق والتوازن اليهودي اليهودي. فقد تبنت التيارات الدينية والعلمانية مرغمة حالة من القبول لهذا التعريف فيما بينها وقبلت بقواعد عامة تضمن للطرفين التعبير والعيش بحرية إلى حد معقول مع ميولهما الفكرية والسلوكية.

وخلال كل هذه العقود بقي العرب الفلسطينيون شبه بعيدين عن هذه الجدلية وقبلوا بالعيش في هامش الهامش للديمقراطية الاسرائيلية ولم يحاولوا وضع تحديات حقيقية لهذه الجدلية معتبرينها أمرًا داخليا يهوديا لا علاقة لهم فيه. وكانت هناك محاولات من التحدي لهذه الجدلية جاء بها الدكتور عزمي بشارة لكنها لم ترتق إلى المستوى العملي وبقيت في مستوى التنظير الفكري الذي لم ينتقل إلى مرحلة وضع المؤسسة الإسرائيلية في اختبارات ومحاولات حقيقية لفحص مدى يهوديتها او ديمقراطيتها. حتى ان ترشحه ثم سحبه لهذا الترشح في الإنتخابات لرئاسة الحكومة لم تكن محاولة جادة عملية لأنها كانت في ظاهرها داخل الملعب اليهودي لكنها في حقيقة الامر ووفق موازين القوى الحزبية حينها كانت تجربة غير جدية ولم تشكل أي تحد حقيقي وجوهري وكانت أقرب الى مقولة سياسية بعيدة عن قلب الصراع وعن التأثير في مجرياته تماما كما هي فكرة “دولة جميع مواطنيها” التي ما تزال مجرد نظرية ولم يتم يوما ترجمتها لبرنامج عمل حقيقي.

حتى أن تجارب القوى التي رفعت شعار الديمقراطية والشراكة العربية اليهودية لم تنتقل في طرحها الى مرحلة التحدي الحقيقي للأغلبية اليهودية وجدلية اليهودية والديمقراطية لأنها هي الأخرى بقيت تلعب في هامش السياسية والتركيبة الحزبية الإسرائيلية ولم تنجح في استثمار الواقع الحزبي لصالح محاولات احداث تحد حقيقي. حتى ان حكومة رابين والجسم المانع في حينه فشلتا لامستا هذا التحدي لكن لم يمتلك قياديو الأحزاب العربية في حينه الجرأة على السير خطوات إضافية باتجاه تصعيد هذا التحدي ونقله الى قلب التركيبة الحزبية الإسرائيلية كلها بيمينها ويسارها بمتدينيها أو علمانييها.

حتى جاءت تجربة القائمة العربية الموحدة مؤخرا وطرحت نهجها الجديد الذي شكل تحد حقيقي وعملي لهذه الجدلية. ونتيجة هذا النهج وجد المجتمع اليهودي نفسه منقسما على نفسه ما بين ديمقراطيته العرقية وديمقراطيته الجوهرية من جانب وما بين يهوديته من جانب اخر. وقد رأينا مؤخرا محاولات نزع الشرعية عن المشاركة العربية في اللعبة الحزبية من خلال التحريض على القائمة الموحدة ومؤسسات الحركة الإسلامية وهو دليل جوهري على بطلان دعوى ان الموحدة تكرر نهج أحزاب السلطة العربية التي نشطت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. فتلك الأحزاب كانت مجرد ملحقات سياسية خالية من المضمون بالأحزاب الصهيونية ولم يتم يوما الحديث عن شرعيتها من عدمها داخل المجتمع اليهودي بخلاف الموحدة التي وضعت كل الأحزاب اليهودية في اختبار حقيقي وعملي تجاه جدلية “اليهودية والديمقراطي”.

لقد ترجمت الموحدة جانبا من الترف التنظيري السابق الى خطوات عملية حقيقية وبعثت من جديد روح التحدي في المنظومة الحزبية والفكرية اليهودية ما بين كل أطرافها سواء تلك التي ترى بالعربي لاعبا شرعيا أم تلك التي لا تريده في موقع التأثير والمشاركة.
لقد فرضت الموحدة على أطراف المجتمع اليهودي أسئلة عملية حول مكانة وحجم الديمقراطية واليهودية في إسرائيل. وهي أسئلة ليست بالجديدة كما أشرت سابقا لكنها لأول مرة تأتي من طرف غير يهودي ومن خارج المنظومة اليهودية الحزبية والفكرية وبشكل عملي ومباغت لم يكن في حسبانها في السابق.

لقد اعتادت الأحزاب اليهودية- الصهيونية على الحوار الداخلي أو على التحديات النظرية الخارجية ولم تتوقع يوما ان تكون في موقع كالذي تعيشه هذه الأيام، وعليها امام هذه التحديات ان تحسم وجهتها ما بين زيادة المساحة الديمقراطية واشراك العربي كلاعب حقيقي فيها او ان تقلصها لصالح يهوديتها.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى